تعودنا والحمد الله (الذي لا يحمد على مكروه سواه) على مشهد عربي تعلو فيه الخلافات السياسية على مصالح الناس، وتبتعد فيه التصريحات عن الأفعال، ونكون فيه أشداء على أنفسنا وعلى أشقائنا رحماء بأعدائنا !!
كان الفارق ـ ولا يزال ـ بيننا وبين أقوام تقدمت ونهضت أنهم يعرفون كيف يختلفون ويتفقون. أما نحن فالخلاف عندنا ـ حتى ولو كان شخصياً ـ يتحول إلى قطيعة ندفع جميعاً ثمنها من مصالح شعوبنا. وتذكر كم مرة أغلقت الحدود بين قطرين عربيين، وكم مرة توقف انسياب البضائع.
وكم مرة عوقب عشرات الألوف من العمال على خلافات بين حكامهم فتركوا عملهم للأجانب، وكم مرة منعت طائرات دول عربية من الهبوط بمطارات عربية أخرى، كم مرة سحبت استثمارات وأغلقت مصانع مشتركة كان بعضها (مثل الصناعات الحربية) يمثل جزءاً من أمن قومي لم نعد نعرف كيف نحميه؟
وقد يبدو الحديث عن هذا كله مجرد عزف على لحن قديم.. وحزين، ولكن الأمر يختلف حين يكون نصف الوطن العربي مهدداً بالمجاعة، وحين تتوالى صرخات الهيئات الدولية عن أزمة طويلة المدى في الغذاء، وحين يحذر رئيس البنك الدولي من زيادة الجياع في العالم بمئة مليون شخص وحين ترتفع أسعار الغذاء بمقدار 83% في السنوات الثلاث الماضية ويتوالى صعودها بفعل عوامل بعضها استثنائي مثل الأحوال الجوية.
وبعضها طبيعي مثل زيادة الطلب وبعضها متعلق بأمراض التقدم مثل استخدام المواد الغذائية في إنتاج الوقود الحيوي، والأهم من ذلك كله حين نرى اثر ذلك في الدول العربية وارتفاع صوت المواطنين يشكون من الغلاء وتطور الأمور إلى اضطرابات بسبب رغيف الخبز في أكثر من بلد عربي، ثم نكتشف الجريمة التي ارتكبناها في حق أنفسنا حين أهملنا كل مشروعات تأمين الغذاء العربي ذاتياً.
وارتضينا هذا الانكشاف المريع الذي لا توجد فيه تقريبا إلا دولة عربية واحدة تكتفي ذاتياً من القمح، والذي نترك فيه عشرات ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وهي صحراء جرداء بينما نمتلك كل مقومات تحويلها إلى مزارع خضراء تكفينا وتجنبنا الأوضاع الغذائية الخطيرة التي تهدد أمن واستقرار عالم عربي فيه ما يكفيه من مشاكل وبؤر توتر سوف تنفجر حتماً إذا أضيف إليها خطر المجاعة أو النقص الرهيب في الأغذية الأساسية.
أعرف أن هناك قمة اقتصادية عربية مقررة في بداية العام القادم، ولكن لا أحد ـ في ظل الخلافات العربية الراهنة ـ يضمن انعقادها في موعدها، ولا أحد يضمن نجاحها في إنجاز الآمال الكبيرة المعلقة عليها، ثم ان الأوضاع لا يمكن أن تنتظر حتى موعد القمة الاقتصادية (إذا انعقدت) في ظل التدهور السريع في أوضاع الأمن الغذائي العالمي والعربي. والارتفاع الهائل في الأسعار.
من هنا أتوقف عند تصريحات هامة أخيرة لعدد من المسؤولين السودانيين عن «عروض من الإمارات وقطر ومصر لزراعة ما يقارب ستة ملايين فدان بالقمح لتصل تكلفة إنتاجه إلى نصف المستويات العالمية للأسعار»، وتصريحات أخرى لوزير الزراعة المصري عن مشروعات للتعاون بين مصر والسودان والسعودية وليبيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح للمنطقة العربية، بدءاً من زراعة منطقة التكامل على الحدود المصرية السودانية بمساحة مليوني فدان بالقمح.
أعرف أننا تحدثنا كثيراً عن مثل هذه المشروعات دون أن تتحقق لأسباب كثيرة، بعضها يرجع إلى الأوضاع في السودان، وبضعها يرجع إلى انعدام الوعي العربي بأهمية تأمين الغذاء، وبعضها يرجع إلى عدم الجدية التي منعتنا من تثبيت البنية الأساسية لتعاون اقتصادي عربي ممكن ومحتوم، وبعضها يرجع إلى سياسة أوروبية وأميركية تدعم الزراعة عندها وأدت إلى تدمير الزراعة في إفريقيا.. لكن الوضع الآن يختلف والخطر أصبح ماثلاً أمام الجميع، ولا أحد يملك العذر لتعطيل هذه المشروعات التي نملك كل احتياجاتها.
فالتمويل العربي متوفر والأرض الصالحة للزراعة موجودة، والطاقة البشرية تبحث عن عمل. ولا شيء يبرر أن يكون السودان الذي يستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب للمنطقة هو نفسه مستورداً لأكثر من مليوني طن من القمح سنويا، ولا شيء يبرر أن تكون ملايين الأفدنة في السودان تنتظر من يزرعها ومن يمول هذه الزراعة في ظروف أزمة غذاء عالمية طاحنة.
ولا شيء يبرر أن تبقى 700 ألف فدان من أجود الأراضي في الساحل الشمالي في مصر دون استزراع، ولا أن تبقي 5. 3 ملايين فدان صالحة لتتحول إلى مراع للأغنام في نفس المنطقة بلا استغلال لسبب واحد هو نقص التمويل، وهو السبب الذي يمنع استغلال مساحات كبيرة في أكثر من قطر عربي لتأمين احتياجاتنا.
بالنسبة للمواطن العربي، مضى زمن الأحلام الكبيرة وها نحن أمام معركة تأمين لقمة الخبز (فقط لقمة الخبز) لملايين العرب قبل أن تسحقهم أزمة الجوع العالمية، والمعركة ليست سهلة رغم أننا نملك كل مقومات النجاح فيها.. فهناك قوى تريد أن تبقي سلاح القمح والأرز في يدها لتستخدمه في الضغط أو الابتزاز أو فرض ما تريد.
هناك من يريد أن تبقى الثروات العربية مودعة في بنوك بأميركا وأوروبا ليتحكم فيها بالتلاعب في قيمة الدولار كما حدث ويحدث، أو بتحميلنا عبء الأزمة الاقتصادية في أميركا وتكلفة رفاهية المواطن في دول الغرب.. بدلاً من أن نزرع أرضنا ونؤمن غذاءنا ونبني صناعتنا وننهض بتعليمنا ونستخدم ما توافر من إمكانيات لصنع المستقبل.. فهل نفعلها هذه المرة أم نخضع للضغوط والحسابات الصغيرة حتى تداهمنا ثورة الجياع؟! .
صحافي مصري