نشرت صحيفة مصرية هي «المصري اليوم» في 3 إبريل أن مصر والإمارات وقطر قدمت عرضاً للسودان لاستزراع ما يقارب 6 ملايين فدان من القمح. ونقلت عن وزير الصناعة السوداني جلال الدوقير قوله إن «تكلفة استصلاح واستزراع ارض تكفي لإنتاج مليون طن من القمح سنوياً لا تتعدى ملياري دولار» وفق الصحيفة، مضيفاً أن «زراعة القمح في السودان بتقنيات حديثة ستصل بسعر الطن إلى نصف ما هو عليه في الأسواق الدولية» وفق الوزير.
وكان هذا الخبر هو ما دفع الكاتب عبدالعال الباقوري لكي يبدأ مقالاً له في صحيفة (الوقت) البحرينية بما يشبه صيحة التذكير المليئة بالدلالات: «.أخيراً تذكر العرب السودان، تذكروا إمكاناته وموارده، خصوصاً من المواد الغذائية، وكيف يمكن أن يكون مزرعة تحقق للعرب أمنهم الغذائي وتضمن لهم عدم الاعتماد على قوى وبلاد غير عربية، بل توفر لهم استقلالاً غذائياً واقتصادياً هم في أشد الحاجة إليه». (عبدالعال الباقوري: «عودة الحديث عن الأمن الغذائي العربي» ـ الوقت البحرينية، 16 ابريل).
لكن خلف هذا الخبر البهيج حقائق غير مبهجة على الإطلاق، بل كارثة إن صح التعبير. فموجة التضخم والغلاء العالمية التي مست في الصميم أكثر الاقتصادات العربية ثراء (دول الخليج) كشفت عن أزمة ليست عارضة، بل تنذر بكارثة حقيقية وتكشف عن أحد مواطن الضعف الخطيرة في الأمن القومي العربي، الأمن الغذائي.
لقد قرع ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً أجراس الخطر بشدة وهو على ما يبدو ما حدا بالدول العربية الثلاث (مصر والإمارات وقطر) إلى التفكير في مشروع استزراع القمح في السودان. لكن هذه المبادرة رغم صحة المقاربة التي انطلقت منها تأتي متأخرة، ويتعين على أطرافها أن لا تتراجع أمام الصعوبات أو التكلفة التي قد تبدو باهظة لأكثر من سبب. فعلى الرغم من توقعات المنظمات الدولية بعودة مخزون الحبوب العالمي للزيادة، فإن هذه التوقعات محفوفة بالمحاذير أيضاً لأن من الصعب الركون لها أمام التقلبات المناخية.
إن التقلبات المناخية هي التي أدت إلى تراجع إنتاج الحبوب عالمياً وخصوصاً «القمح» و«الأرز» ودفعت بأسعار هاتين الغلتين إلى مستويات قياسية. (لمزيد من المعلومات حول أسعار الحبوب عالمياً، راجع تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) المعنون: «الحكومات تسعى لاحتواء الضرر بينما فاتورة الحبوب بالبلدان الفقيرة تواصل الارتفاع»، الرابط:
http:»www.fao.org/newsroom/ar/news/2008/1000826/index.html).
لكن التحذيرات التوقعات المتشائمة لا تتوقف، ففي 15 ابريل، قالت وكالة الصحافة الفرنسية (ا ف ب) ان «مجموعة تابعة للأمم المتحدة حذرت الثلاثاء من كارثة وشيكة إذا لم يتم تطبيق إصلاحات جذرية لقطاع الزراعة، فيما تعهدت الولايات المتحدة بتقديم مبلغ 200 مليون دولار لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة أزمة الغذاء المتفاقمة». (وكالة الصحافة الفرنسية، 15 ابريل).
وحسب الوكالة فإن المجموعة «أعربت عن مخاوفها من حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية» وخلصت للقول ان «مواصلة التوجهات الحالية الخاصة بالإنتاج والتوزيع ستستنفد مواردنا وتعرض مستقبل أبنائنا للخطر». هذه هي خلفيات التحرك المشار إليه أنفا، وسيكون المحرك أيضاً لجملة من الخطوات والتدابير التي ستلي في الأيام القادمة، لكن هذا من وجهة نظر أخرى يكشف عن جملة من الحقائق المرتبطة بالكيفية التي تدير فيها الحكومات العربية عموماً سياساتها الاقتصادية.
الحقيقة الأولى هي الإهمال الشديد وغير المبرر للزراعة والإنتاج الحيواني باعتبارها أداة ضرورية لا غنى عنها لتحقيق الأمن الغذائي. لقد ساد الشعور دوما وخصوصاً هنا في الخليج أن بلداننا محصنة تماماً حيال الأزمات الاقتصادية التي تضرب العالم من وقت لآخر. ليس لدى الحكومات من مؤشر مقلق سوى انخفاض أسعار النفط، عدا ذلك فكل التدابير اللازمة والإجراءات الاحتياطية وعوامل الحصانة في الاقتصاد مهملة ومنسية تماما.
الحقيقة الثانية، هي غياب التخطيط البعيد المدى وغياب الاقتصاديين الرؤيويين، أصحاب الرؤى سواء على مستوى الحكومات أو القطاع الخاص. وفي مفارقة واضحة الدلالة، كان المستثمرون العرب في العشرينات والثلاثينات وحتى الأربعينات من القرن الماضي يطرقون أبواب التصنيع والزراعة والثروة الحيوانية، لكن مستثمري العقود الأخيرة من القرن العشرين حولوا اهتمامهم إلى وجهات أخرى، نحو الأرباح السهلة والمضاربات وأسواق العقار.
وإذ مضوا في الدخول فيما بات يعرف بالاقتصاد الجديد (خصوصاً قطاع الاتصالات، الخدمات)، كشفت أزمة الحبوب العالمية أن لدينا خللاً بنيوياً في اقتصاداتنا يمس في الصميم أمننا الغذائي. لقد تعرضت الزراعة مثل التصنيع لهجاء مرير في العقود الأخيرة وتم تصويرها باعتبارها احدى علامات إخفاق الأنظمة العسكرية التي حكمت البلدان العربية منذ الخمسينات.
فيما عدا السعودية، انسوا الزراعة في دول الخليج، بل إن الزراعة تراجعت في الدول العربية التي تعتمد اقتصاداتها تقليدياً على الزراعة ويمثل الفلاحون غالبية سكانها مثل مصر والعراق وسوريا ولبنان ودول المغرب العربي. أما السودان فتلك قصة مليئة بالمرارة تختزلها تلك العبارة التي ابتذلتها التقلبات السياسية في هذا البلد «سلة غذاء العالم العربي».
ماذا يمكن أن تطرح أزمة أسعار الحبوب عالمياً وتراجع مخزونات الغذاء والاضطراب الاجتماعي المتوقع؟ أمر واحد متواضع من وجهة نظري» إعادة النظر». وإذا كانت الخيارات الاقتصادية هي الميدان المطروح لإعادة النظر الآن وبشكل عاجل فإن القائمة طويلة ليس آخرها «التخطيط بعيد المدى» و«الاتجاه نحو الزراعة والصناعات الغذائية المرتبطة بها». هذه الخيارات كانت مطروحة منذ زمن بعيد، وقيل في هجائها أنها أحلام وها هو الوقت والبرهان قد جاء لكي يثبت أخطاء لا أول لها ولا آخر وأن تلك الأحلام كانت صادقة.
كاتب بحريني