قبل أن يصل إلى تل أبيب في بداية جولته في المنطقة أعلن موقفه الأخلاقي في كتاب مثير عن القضية الفلسطينية التي رأى أنها لم تحل بعد بعدالة ولم يحصل شعبها على حقوقه الإنسانية، ولم تنعم بعد أرضها المقدسة بالسلام بسبب العنصرية الصهيونية والانحياز الأميركي.

وبعد أن منعته إسرائيل، عقاباً له على مواقفه، من زيارة غزة المحاصرة غربياً وعبرياً وعربياً، أصر الرجل الشجاع، على إتمام اللقاء بقادة «حماس» إلى جانب قادة «فتح» رغم محاولات المنع الأميركية سواء من الرئيس بوش أو من الوزيرة رايس.

وبعد أن التقى الرئيس محمود عباس رئيس السلطة، وقبل أن يلتقي بخالد مشعل زعيم حركة حماس في دمشق حرص على وضع الورود على قبر «ياسر عرفات» زعيم حركة فتح، وعلى اللقاء بقيادات «حماس», ناصر الدين الشاعر، في رام الله، وبمحمود الزهار في القاهرة.

وبهذا فإن زيارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمى كارتر للمنطقة العربية سعياً من أجل البحث عن المصالحة والسلام وفق رؤيته، تكتسب من القيمة الأخلاقية ما هو أكثر بكثير من زيارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش سعياً من أجل فرض الإذعان والاستسلام على حكوماتنا لإرادة أعدائنا وليس لإرادة شعوبنا.

كما يجب أن تكتسب، عربيا، من الأهمية السياسية والإعلامية ووجوب استثمارها ما يزيد عن اهتمامنا بزيارات رايس ومساعديها لعواصمنا بلا نتيجة إيجابية بل بنتائج سلبية، وهم الذين لا يكفون عن إزعاجنا بأدوارهم ومواقفهم وتصريحاتهم المنحازة ضد حقوقنا وقضايانا والمرددة لدعاوى ومطالب إسرائيل على طول الخط.

ذلك.. فيما يسود الشعور الشعبي العربي المتصاعد بالغضب من جراء الشعور بالظلم الواقع على الشعوب العربية، من الماضي إلى الحاضر من بعض الدول الغربية بقيادة الإدارة الأميركية، سواء باغتصاب الأوطان وتشريد السكان أو بالغزو والاحتلال والعدوان والاستيطان كما حدث ويحدث حاليا في فلسطين والعراق والصومال، وبالمجازر والحصار اللا إنساني الظالم على الشعب الفلسطيني في غزة واليوم نقف في تعاملنا مع المشهد الأميركي أمام وجهين للسياسة الأميركية الأول سياسي أخلاقي مازال يمثله الرئيس الديمقراطي كارتر.

والثاني لا سياسي تسلطي يمثله الرئيس الجمهوري الحالي بوش، ولأننا لسنا أعداء للشعب الأميركي ولا لأميركا ككل، بل للوجه الاستعماري القبيح منه، ونحترم وجهها المتقدم المضيء فلننظر للوجه الأول بمنظار الوجه الثاني، لنعي من يقف معنا ومن يقف ضدنا من صناع الرأي العام ومن صناع القرار في المجتمع الأميركي، وأن نرصد من يساند عدونا عداء لنا أو جهلا بحقيقة عدونا، ومن تتسم مواقفه بالتوازن.

ومن لا تتسم مواقفه إلا بالعدوان والانحياز والتواطؤ. وهنا يبدو الرئيس كارتر واحداً من أبرز الشخصيات الأميركية والغربية المتوازنة الذي تنطلق سياسته من قيمه الدينية الداعية للعدل والسلام، والذي يمكن للبعض أن يختلف معه في الرؤية أو في الموقف السياسي، بل يمكن للبعض أن يضعه في معسكر الخصوم أو حتى الأعداء إلا أن أحدا لا يملك إلا أن يحترمه.

إذ يرى كارتر أن إدارة بوش منحازة تماماً مع الإسرائيليين على حساب الشعب الفلسطيني، وذكر أنه سعى خلال حكمه إلى إقامة وطن قومي للفلسطينيين وإقامة سلام عادل وشامل بين العرب والإسرائيليين مشيراً إلى أن السلام العادل لم يتم تحقيقه حتى الآن، وآملاً أن تستعيد الولايات المتحدة مصداقيتها ودورها كوسيط عادل ونزيه لتحقيق السلام.

ومازلنا مثلا نتذكر تحذيره لبوش من ضياع المصداقية بسبب الانحياز الأميركي أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة بقوله: «إن مصداقيتنا الأميركية قد تناثرت شظايا وهذا ما يحملنا على الشعور بمزيد من العزلة وجعلنا نشعر بالتهديد الدائم في عالم معاد لنا لأن حلفاءنا متفرقون والعالم يضمر لنا العداء والشرق الأوسط يشتعل بالغضب».

mamdoh77t@hotmail.com