لا يزال الاتحاد الأوروبي يزعم أن كل دولة يحق لها أن تقرر مصيرها. حيث إن إعلان استقلال إقليم كوسوفو من طرف واحد يتعارض مع الأعراف الدولية ويؤدي إلى تقسيم أوروبا، ويتنافر إعلان استقلال كوسوفو مع القانون الدولي مما يفضي إلى انقسام أوروبا. حيث اعترفت ألمانيا وإنجلترا وفرنسا باستقلال كوسوفو فيما اعترضت اسبانيا ورومانيا وقبرص واليونان وسلوفينيا.

الاتحاد الأوروبي يعيش حالة الانقسام بسبب مشكلة كوسوفو. فمثلا اعترفت بلجيكا باستقلاله رغم أن الخلافات بين سكانها الناطقين بالفرنسية والألمانية بلغت أوجها في الوقت الحاضر. ولا يستبعد أن تؤثر مشكلة كوسوفو على سير الأحداث في أوروبا والولايات المتحدة.

حيث أعلنت السلطات الكندية أنها لا تريد السير في ركاب السياسة الأميركية، وذلك أن أراضيها التي يسكن فيها الناطقون بالفرنسية تريد أن تستقل عنها. وما زاد الطين بلة أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لم يعط توجيهات إلى البعثة الدولية بشأن التمسك ببنود القرار 1244 لمجلس الأمن الدولي الذي ينص على ضرورة إزالة نزاع كوسوفو بجهود القوات المدنية وقوات الأمن المتعددة الجنسيات.

روسيا ترى أن البعثة الدولية في كوسوفو هي وحدها التي يمكن اعتبارها شرعية. حيث إنها تتحمل مسؤولية ضمان الاستقرار هناك ونشأت اليوم مشاكل جديدة فيما يتعلق بتطور العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية التي تؤيد إعلان استقلال الإقليم وخصوصا الولايات المتحدة.

إعلان استقلال كوسوفو سابقة خطيرة ستؤثر على العلاقات الدولية لأنه يفتح المجال أمام الحركات الانفصالية المطالبة رسميا بالانفصال، على سبيل المثال الباسك والأكراد وشمال قبرص وغيرها. أميركا تضرب عرض الحائط جميع القوانين الإنسانية وتدعم القوى التي تفيد النموذج الجيوسياسي الذي ترسمه، فالسياسة الأوروبية أصبحت الآن تتبع مصالح قطب واحد هو الولايات المتحدة، وهي فقط يمكن أن تحدد من الجيد ومن السيئ.

هذا الوضع يعني تغيرا للحدود في العالم، إذن ستأتي أميركا إلى أي نقطة من العالم في دولة عربية أو في روسيا أو إحدى دول الرابطة المستقلة دول آسيا أو أوروبا.. ستأتي وتقول هذا مطلب عادل نحن نعترف بهذه الدولة الأوروبية أو تلك مستقلة وهذا ما يجب السماح به.

لو أن قوات الناتو وعلى رأسها القوات الأميركية أمنت فعلا حقوق الأقليات وكانت عادلة كما تدعي أميركا لأمكن الوثوق بها في خلق التوازن وتسوية قضايا هذه الشعوب، ولكن أميركا تقف دائما مع طرف ضد آخر، أي لا تقف موقف الحاكم العادل المحايد.

الإدارة الأميركية وأنصارها في أوروبا يعترفون بالحركات الانفصالية التي تخدم مصالحهم فقط ولا يعتقد أن من مصلحتهم أن يعترفوا بالباسك أو غيرها من الحركات الانفصالية في فرنسا، لذلك ومن اجل خلق التوازن مع هذه الهيمنة ينبغي الاعتراف باستقلال بعض المناطق مثل بريدناستروفيا وابخازيا وأوسيتيا الجنوبية. هذه ليست معايير مزدوجة فحسب بل وضع السياسة العالمية رهنا لمصالح واشنطن.

الإدارة الحالية اعترفت باستقلال كوسوفو لأن هناك ضرورة لضرب الاستقرار في أوروبا التي هي صديق ومنافس للولايات المتحدة في آن واحد. وتسعى إلى تحقيق هذا الاستقرار عن طريق إنشاء دولة متطرفة في كوسوفو، ويهدد خلق مثل هذا المشكلة في أوروبا بإعلان الاستقلال لأقاليم أخرى، وبالطبع لا يهم هنا لا الإسلام ولا الديمقراطية ولا الحرية القومية.

وقد تدعم الولايات المتحدة الراديكاليين وفي الوقت نفسه تقف ضد أصحاب الفكر الصحيح والمحق إذا تطلبت مصالحها ذلك، وفي هذه الحالة ستتفق مصالح أميركا وألبان كوسوفو. وهذا يذكر بتنظيم القاعدة وطالبان اللذين دعمتهما الولايات المتحدة سابقا، فمن الممكن أن ينقلب ألبان كوسوفو على أميركا مستقبلا كما فعل طالبان والقاعدة. لكن قبل هذا الوقت ستنقلب كوسوفو ضد أوروبا .

وان نشوء أنظمة موالية لأميركا في الدول الشيوعية سابقا يشكل بالنسبة لروسيا خطرا طويلا. كما يتخوف الكريملين من أن تصبح كوسوفو مصدر إلهام لشعوب أقاليم روسيا. إعلان استقلال كوسوفو من طرف واحد لا بد أن ينسف استقرار الوضع في البلقان والقارة الأوروبية بأكملها، وعليه فمن الضروري أن يجري تقرير مصير الإقليم تحت رعاية مجلس الأمن الدولي.