قبل بداية العملية التفاوضية الأخيرة بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» الجنوبية والتي انتهت إلى اتفاق نيفاشا للسلام كان قرنق يقول إن معادلة قسمة السلطة والثروة في السودان مقلوبة وإنها ظلت كذلك منذ إعلان استقلال البلاد في عام 1956، بمعنى استئثار «الأقلية العربية» بالنصيب الأعظم من الحكم وموارد الثروة تاركين الفتات لـ «الأغلبية الزنجية».
لكن ما هي الأغلبية الزنجية؟.. ومن أي عناصر تتكون؟
أدبيات قرنق تحدثت عن جبهة عنصرية عريضة تجمع أهل الجنوب مع أهل النوبة والانقسنا بالإضافة إلى القبائل «الإفريقية» في دارفور وقبائل البجة في الشرق والنوبيين في الشمال على أن تكون قيادة هذه الجبهة للحركة الجنوبية وزعيمها، ولكن ما إن بدأت العملية التفاوضية الجادة الأخيرة تحت رعاية دولية حتى أسقط قرنق هذه الجبهة من الحساب تماماً.
فقد اتضح أن وفد «الحركة الشعبية» كان يتفاوض مع الوفد الحكومي باسم أهل الجنوب فقط لا غير، لذا ندرك لماذا جاءت اتفاقية نيفاشا عند نهاية المطاف التفاوضي كوثيقة تنحصر بنودها في اقتسام السلطة والثروة بين الشمال والجنوب فقط وعلاقة الجنوب المستقبلية مع الشمال بما في ذلك النص على الانفصال كخيار لأهل الجنوب إذا شاءوا.
وهكذا وبناءً على الاتفاقية انفرد حزب «المؤتمر الوطني» الشمالي مع «الحركة» الجنوبية بصيغة حكم ثنائية بإقصاء التنظيمات الشمالية والجنوبية الأخرى عن المشاركة «إلا على مستوى هامشي وثانوي» ومع النص على حكم ذاتي إقليمي للجنوب وحده، وهكذا أيضاً سقط تنظير قرنق العنصري بشأن «الأغلبية» الزنجية و«الأقلية» العربية. فقد كان تنظيراً دعائياً ذا طبيعة «تكتيكية» ليس إلا.
ما الذي إذن جعل قيادات «الحركة» في حكومة الجنوب الإقليمية تعمد إلى إعادة إحياء نظرية قرنق بعد أن اكتسحتها نيفاشا من خلال دعوتهم إلى أن يكون البند الرئيسي في استمارة التعداد السكاني سؤالاً إلى كل سوداني عن أصله العرقي.
من خلال تطبيق اتفاق نيفاشا حصل الجنوبيون على مكاسب لم يكن حتى جون قرنق نفسه يحلم بها، حصلوا على حكم ذاتي أقرب إلى الاستقلال بما في ذلك بنك مركزي جنوبي وميزانية عامة مستقلة مع الإبقاء على قوات الحركة العسكرية دون مساس، وفوق هذا وذاك حصلوا على حق تقرير المصير عند نهاية المرحلة الانتقالية حيث ينص الاتفاق على عقد استفتاء عام ليختاروا بين البقاء ضمن الإطار الوحدوي مع الشمال والانفصال الكامل الذي يؤدي إقامة دولة مستقلة ذات سيادة وطنية.
ما الحكمة إذن من عرقلة التعداد السكاني عن طريق إثارة المسألة العرقية الجدلية؟ لا إجابة على هذا السؤال سوى أن قيادة الحركة تسعى تكتيكياً لتأخير موعد إجراء عملية التعداد، لماذا؟ لأنها تريد للتعداد أن يسبقه ترسيم الخط الحدودي الجغرافي الفاصل بين الجنوب والشمال بما يضمن تغول الجنوب على مناطق جغرافية شمالية أو متنازع عليها مثل منطقة أبيي كخطوة تمهيدية لانفصال الجنوب لاحقاً.. وفي هذا السياق قد تطالب قيادة الحركة أيضاً بضم منطقتي جبال النوبة والانقسنا.
ولكن هل تدرك قيادة الحركة أن تحركها في هذا الاتجاه قد يؤدي في النهاية إلى نسف اتفاق نيفاشا من أساسه؟