رغم التطمينات التي تطلقها الحكومة العراقية على لسان مسؤوليها المعنيين بالشأن الأمني وتأكيدهم المستمر أن الأوضاع في البلاد خصوصاً في بغداد تسير نحو الأفضل، ووفق ما تم التخطيط له، إلا أن أعمال العنف الطائفي والهجمات المسلحة متواصلة وتزداد بين الحين والآخر مع مقتل ما لا يقل عن 250 شخصاً في أسبوع تفجيرات دموية فظيعة أعادت للأذهان سنوات اللاأمن في العراق.
التفجيرات الدامية التي شهدها العراق خلال الأسبوع الماضي تثير علامة استفهام كبيرة بشأن الأيدي الآثمة التي تقف وراءها. ورغم أن القوات الأميركية بادرت بإلقاء التهمة على تنظيم القاعدة، إلا أن هذه الاتهامات، حتى لو كانت صحيحة، تتناقض مع ما سبق وأعلنه الجيش الأميركي بشأن النجاحات التي حققها في الحد من أعمال العنف والضربات القوية التي سددها لمثل هذه الجماعات، سواء كانت خلايا إرهابية أو ميليشيات مسلحة.
صحيح أن تقرير بترايوس وكروكر أشار هذا الشهر إلى أن هذه المكاسب الأمنية، رغم أهميتها إلا أنها مازالت هشة، غير أن أحداً لم يكن يتوقع أن تكون الهشاشة بهذا الحجم وأن يعود الوضع إلى ما كان عليه بهذه السرعة. لتقع مجزرة مروعة يكون ضحيتها عشرات القتلى والمصابين في يوم واحد.
فالأحداث الدامية تتوالى وحمامات الدم تتدفق ومدن الجنوب والشمال يخترق صمتها الرصاص والعمليات الانتحارية، فحالة الاقتتال في الشوارع التي يعيش رعبها العراقيون ويتحملون تبعاتها المدمرة تطرح علامات استفهام حول الإستراتيجية الأمنية المنتهجة. إن مسلسل الموت لا يزال مستمرا في العراق رغم كل الخطط والعمليات الأمنية.
فقد انتهت عمليات البصرة، وقبلها عملية بغداد، لكن لم تنته الأزمة الأمنية متعددة الأطراف والضاربة جذورها في عمق الواقع الراهن للعراق، وبالتالي فإن الجهود السياسية من القوى السياسية لابد أن تتكثف، وأن تكون هناك تحركات هدفها الإصلاح والبعد عن الخلافات التي تدمر أكثر مما تصلح العراق، فهذا البلد في حاجة ماسة إلى التكاتف والوحدة.
إن نبذ العنف وضمور الفلتان الأمني وانحسار الفوضى يتطلب الإرادة الصادقة من العراقيين، والتوجه نحو الاتفاق السياسي بين الفرقاء المختلفين والسلطة الحكومية، ولا يمكن اعتماد الحل الأمني العسكري وحده، ولو استعانت الحكومة العراقية بكل جنود العالم، فلن يستطيعوا تحقيق وحدة وطنية بين العراقيين، بكل بساطة الأمر والوضع رهن بالعراقيين أنفسهم، فهم أصحاب القرار الوحيد والحقيقي لتقرير مصير وطنهم وشعبهم.
وتشكل عملية المصالحة مطلبا شعبيا أجمع عليه أهل العراق، وإن اختلفوا في الوسائل والطرق، ولهذا يترتب على القائمين عليها أن يتفقوا على القواسم المشتركة بين هذه الوسائل والطرق، باعتبارها الدواء الحقيقي لمعالجة الجراح العراقية، وبعيدا عن الإساءة والتهميش ينبغي وضع الوسائل والطرق التي توصل جميع الأطراف إلى نتائج إيجابية.
هذه الأيام بدأت إشارات إيجابية تظهر على الساحة السياسية، ويجب استثمار هذه الحالة وتطويرها وليس تقويضها وتقليصها لطرف معين من دون أن توزع ثمار الجهد الجماعي على الجميع، وينبغي أن تطرح جانباً الضغوط السياسية التي يمكن أن تمارسها بعض الأحزاب والشخصيات لأنها تربك الخطوات وتعرقل العمل.
وأن تطرح نماذج عملية في الحياة العراقية تمثل الانسجام والتوافق بين أطراف المصالحة الوطنية، وبنفس الوقت مواجهة الهجمات الإرهابية والإجرامية التي تشنها أطراف بعيدة عن الأهداف الوطنية، حيث إن استمرار الإرهاب يعرقل نجاح المصالحة إن لم يضعف النتائج.
إن عدم نجاح مشروع المصالحة الوطنية يعني استمرار زمن عراقي ممتلئ بالهواجس والخوف والسعي المحموم لحيازة السلاح والحرص على ولادة قيم الحماية والقوة لتكوين الكانتونات والمافيات والتجمعات، التي تسعى لإيقاف فرص حياة العراقيين الطبيعية، بديلاً عن بناء العراق، الذي يحتاج المواطن فيه كل الاهتمام ليحقق حلمه في الحياة المستقرة والآمنة، بعيداً عن التفجيرات وشلالات الدم.
