في المقال السابق تم التركيز على الحجج والبراهين المنطقية التي ساقها مارتن لوثر كينج للنضال المدني من أجل انتزاع حقوق الزنوج في الولايات المتحدة، وكيف أنها حقنت دماء الناس في الهبات والاحتجاجات التي جرت في البلاد. فلولا سياسة عدم الاعتداء لمات عشرات الآلاف في الهبة الأولى التي حدثت حين اعترض السود على تخصيص المقاعد الخلفية لهم في الأتوبيسات العامة، وإجبارهم على ترك المقاعد الأمامية إن جلسوا فيها، والسماح لهم فقط بالصعود من الباب الخلفي للحافلات.

ففي يوم الخميس الأول من ديسمبر 1955 رفضت خياطة زنجية تدعى روزاباركس إخلاء مقعدها لرجل أبيض، فاستدعى السائق الشرطة، فألقت القبض عليها بتهمة مخالفة القوانين. وتناهى الخبر إلى مسامع السود، فخرجوا عازمين على الثأر، فما كان من كينج إلا أن وجههم إلى طريق مختلفة، وهو مقاطعة شركة الأتوبيسات لمدة عام كامل.

وهو إجراء أثر تأثيراً بالغاً على إيراداتها، نظراً لأن الزنوج كانوا يمثلون نحو سبعين في المائة من الركاب، وإثر ذلك تم اعتقال كينج ومجموعة من المقربين إليه بتهمة إعاقة العمل. فلما حكمت إحدى المحاكم بعدم قانونية هذه التفرقة، طلب كينج من الزنوج أن ينهوا المقاطعة، ويرجعوا إلى ركوب هذه الحافلات بتواضع وأدب جم.

ورسخ كينج مبدأه هذا مرة ثانية حين ألقيت قنبلة على منزله في 30 يناير 1956 بينما هو يخطب في أنصاره، مما كاد يتسبب في مقتل زوجته وابنه. فيومها تجمع السود عند منزله وهم مدججون بالسلاح وعلى أهبة الاستعداد للانتقام، وأصبحت مدينة مونتجمري على حافة الانزلاق إلى حرب أهلية، فما كان من كينج إلا أن هدأ من روع الغاضبين، حين خاطبهم: «دعوا الذعر جانباً، ولا تفعلوا شيئا يمليه عليكم الشعور بالرعب، إننا لا ندعو إلى العنف».

وناضل كينج من أجل الحقوق السياسية للزنوج، فخطب خطبة شهيرة أمام نصب الرئيس الأميركي الراحل إبراهام لينكولن هاجم فيها الحزبين الجمهوري والديمقراطي وردد صيحته الخالدة: «اعطونا حق الانتخاب»، واستجابت السلطات له، فتم تسجيل خمسة ملايين زنجي بجنوب الولايات المتحدة في جداول الانتخابات.

وفي أواخر عام 1962 شرع كينج في قيادة سلسلة من المظاهرات السلمية في برمنجهام واجهتها السلطة بعنف وبقرار يمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية والمقاطعة والاعتصام، فتحدى كينج هذه الإجراءات بتنظيم مظاهرة سار خلفه فيها ألف متظاهر وهم يرددون: «الحرية حلت ببرمنجهام»، فما كان من الحكومة إلا أن اعتقلته وأودعته زنزانة انفرادية، ليحرر خطابا ينطوي على فلسفته في النضال اللاعنيف، أصبح فيما بعد من أهم المصادر الأساسية لحركة الحقوق المدنية.

وكان هذا العام فارقا في حركة الحقوق المدنية للزنوج، وكما يقول كينج نفسه: «لم يحدث إطلاقا في تاريخ أميركا أن لجأت الجماهير إلى الشوارع والميادين، واقتحمت قدس أقداس بيوت المال، وأبهاء مباني الحكومة ذات الجدران الرخامية، ليعبروا عن احتجاجهم وضيقهم بالظلم الذي يرزحون تحته».

ثم يبين كيف كان الاحتجاج عارما وشاملا: «قام الزنوج عن بكرة أبيهم مرة واحدة، فأغلقت الطاهية مطبخها وخرجت إلى الطريق، ودفع جون باب مصعده والتحق بالمتظاهرين. وشد بيل فرامل اللوري وانطلق نحو بني جنسه، وقام القس آرثر بالمصلين عبر الطريق، عندما قبض عليه أقام الصلاة في السجن».

وارتأت لكينج فكرة إتاحة الفرصة للأطفال كي يشاركوا في النضال ضد التمييز العنصري، فدفع الآلاف منهم إلى مقدمة المظاهرات، في مواجهة رجال الشرطة وخراطيم المياه والكلاب المسعورة، وكان الأطفال السود يركضون ساخرين خلف رجال الأمن مطالبينهم بأن يقبضوا عليهم، ومع أن هؤلاء الصبية كانوا على استعداد لأن يسجنوا مثل الكبار تماما، إلا أنهم كانوا يعلمون كذلك أن السجون اكتظت بالسود، بحيث لم يعد بها مكان لنزيل من النزلاء.

ولما تعاملت الشرطة بوحشية معهم ولم تراع حداثة أعمارهم، خلفت وراءها صورا تعج بالعار، واشمأزت الملايين وهي ترى صور الكلاب التي تنهش أجساد الصغار، فوقعت السلطات المدنية في أزمة شديدة، وباتت أكثر مرونة حيال التفاوض حول حقوق السود.

والتقط كينج الخيط فأعلن أن بني جلدته لن يكفوا عن الاحتجاج، لكنهم على استعداد للتفاوض من موقع قوة، فلم تجد السلطات بدا من تشكيل لجنة للتفاوض مع زعماء الزنوج، وانتهت المفاوضات الشاقة بالموافقة على برنامج تدريجي لإلغاء العنصرية، إلى جانب الإفراج عن المتظاهرين المعتقلين.

ولما حاول بعض المتعصبين البيض إفشال هذا الاتفاق بإلقاء قنابل على زعماء الزنوج، انفتح باب واسع للعنف، فانفجر الشبان الزنوج في غضب شديد، وواجهوا الشرطة بقوة، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النار في بعض المتاجر، مما اضطر الرئيس جون كيندي لإعلان حالة الطوارئ في صفوف القوات المسلحة. وهنا جاء دور كينج ليهدئ من ثورة الغضب، فقام بجولة ناجحة على عدة مدن، ليقف على وجهة نظر الزنوج فيما يجري، ويطلب منهم ضبط النفس، والتركيز على النضال المدني.

ومهدت هذه الجولة لحركة احتجاج واسعة شارك فيها ربع مليون شخص، من بينهم ستون ألفاً من البيض، واتجهت صوب النصب التذكاري للرئيس إبراهام لينكولن، الذي أعلن تحرير الزنوج في الولايات المتحدة عام 1865، وهناك ألقى كينج خطبة مفعمة بالحماس والحكمة والبلاغة قال فيها: «أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أعمالهم».

ويعتبر كينج نفسه أن ما جرى في صيف عام 1963 كان ثورة لأنه تسبب في تغيير أميركا، إذ ارتفعت درجة حرارة الحرية، فامتدت ألسنتها إلى ما يقرب من ألف مدينة، وعندما وصلت إلى الذروة أصابت المطاعم والفنادق والحدائق العامة، فعرف الأميركيون كيف يمكن للسود أن يأكلوا ويسكنوا ويتنزهوا مع البيض في مكان واحد.

وبدأت فرص العمل في مجالات جديدة تتفتح ببطء أمام الزنوج، ووجدت شركات كبرى في المدن نفسها في حاجة إلى ضمهم إلى العمل ولو من باب إثبات أنها ضد التمييز، ورغم أن كثيرا من الزنوج لم يؤمنوا بأن العروض المقدمة إليهم للتوظيف جدية، ومع أنها كانت مغرضة، ولتحقيق هدف سياسي معين، فإن الزنجي بدأ يشعر بسعادة غامرة وهو يرى التمييز العنصري ينسحب إلى الوراء، حتى ولو كان هذا الانسحاب بطيئا.

وفي هذا العام أطلقت مجلة «تايم» على كينج لقب «رجل العام» فكان أول زنجي يمنح هذا اللقب، ثم حصل عام 1964 على جائزة نوبل للسلام، فكان أصغر رجل في التاريخ يحصل عليها. ولم يهنأ كينج طويلا بجائزته وبما ينجز من تقدم على طريق حصول السود على حقوقهم إذ أطلق رجل متعصب يدعى جيمس إرل راي النار عليه في الرابع عشر من فبراير عام 1968 فأرداه قتيلا، بينما كان يستعد لقيادة مسيرة زنجية تؤيد إضراب جامعي القمامة.

لكن مسيرة كينج ودماءه الزكية هي التي فتحت الباب كي يأتي رجل من أوباما وينافس بشدة على أن يكون مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وربما يصبح هو الرئيس القادم لأميركا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة