السنوات الخمس التي مضت على احتلال العراق منذ 9 أبريل 2003 وحتى اليوم سجلت في الواقع بداية مرحلة جديدة وشكلا جديدا من العلاقات التي سوف تربط العراق بالقوى الإقليمية والدولية خاصة إذا ما ثبتنا متغيرا مهما وهو تحول العراق من دولة مستقلة لها نهجها المستقل الخاص في إدارة علاقاتها الدولية إلى دولة تابعة ومسيطر عليها ومتحكم في قرارها السياسي ليس فقط من الولايات المتحدة بفعل وجودها العسكري والسياسي في العراق بل كذلك من قبل تلك القوى الإقليمية اللاعبة والفاعلة في معادلة الأمن والسيادة العراقية.
ونحن نلقي الضوء على أحوال العراق بعد خمس سنوات من الاحتلال يحق لنا أن نتساءل: كيف صار النهج السياسي الخارجي للعراق بعد الاحتلال؟ كيف اثر التحكم المتناقض الذي تشاركه الولايات المتحدة وإيران في القرار السياسي العراقي على علاقة العراق الدولية والإقليمية ومواقفه وقراراته حيال القضايا العربية المصيرية؟ كيف هي مواقف الآخرين وعلاقاتهم مع العراق بعد خمس سنوات من الاحتلال؟
والسؤال الأجدى هل يوجد فعلا للعراق علاقات دولية أو سياسة خارجية ونحن نفهم أن السياسة الخارجية هي إدارة مخططة تقودها دولة أو نظام سياسي مدرك واعٍ ومستقل قادر على التعبير عن أهداف ومصالح تلك الدولة وقادر على حماية تلك الأهداف والمصالح إننا لكي نجيب عن الأسئلة السابقة لابد لنا أن نثبت حقيقتين مهمتين:
أولا: أن الحقيقة المؤلمة التي يجب أن ندركها جميعا أن العراق بعد 2003 هو دولة منقوصة السيادة بفعل وجود تأثير فعلي خطر للولايات المتحدة دولة الاحتلال وتأثير إقليمي أكثر خطورة تتصدره إيران وبالتالي فان كل علاقات العراق الخارجية هي بفعل إما التأثير الأميركي أو الإيراني على القرار السياسي الخارجي العراقي.
وان سياسة العراق الخارجية وعلاقاته الدولية أو الإقليمية هي علاقات يتم التحكم بها وتسييرها وفق المصالح الأميركية بالدرجة الأساس مع بروز بعض المواقف التي تحسب لصالح التأثير المطرد للجارة إيران، وبديهي أن السياسة الخارجية هي انعكاس للسياسة الداخلية والعلاقات بين القوى السياسية في الداخل فإذا كانت تلك السياسة الداخلية ومنذ خمس سنوات تعيش حالة من الفوضى والصدام والصراع على النفوذ فإن السياسة الخارجية هي الأخرى تعيش ذات الفوضى وذات الصدام وغياب الفكرة والمنهج الذي يحدد أهداف الحركة السياسية الخارجية.
ثانيا: بعد خمس سنوات من الاحتلال الأميركي للعراق وكل يوم من هذه الخمس سنوات يؤكد حقيقة مهمة وهي ان احتلال العراق أثر على بنية العلاقات الإقليمية حاضرا ومستقبلا خاصة وأن العراق هو الجار السابع لستة من الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط مع تركيا إيران والسعودية والكويت والأردن.
وهذه القوى بحد ذاتها تعيش حالة تقاطع المصالح ومرتهنات الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط بل وتعجز عن الشراكة أو المشاركة الجماعية أو الثنائية لحفظ الأمن والاستقرار في العراق مع العلم أن هذه الشراكة ممكنة في قضايا أخرى خاصة إذا ما أضفنا العامل الأميركي والذي من بين أهدافه الأساسية خدمة قضية أمن وبقاء إسرائيل واستمرار إشغال القوى الإقليمية العربية الأساسية.
وبالتالي فإننا لو تفحصنا تناقضات الرؤى والأهداف بين الأطراف الإقليمية والدولية حيال العراق فإننا سننتهي إلى استنتاج وهو أن العراق سيصبح عاجلاً أم أجلاً نقطة لصراع ساخن أو بارد بين تلك الأطراف. أما عن علاقات العراق بالمحيط الدولي فمن البديهي القول إن العراق لطالما كان يتعامل مع القضايا الدولية انطلاقا من منهج واضح معاديا للاستعمار والإمبريالية بمختلف أشكالها وصيغها السياسية والاقتصادية.
إضافة إلى عدم الانحياز إلى أي من الكتل الدولية والإسهام في تعزيز حركة عدم الانحياز ودورها الإيجابي التقدمي في العلاقات الدولية. وإقامة علاقات صداقة وتعاون طبيعية مع دول العالم على اختلاف نظمها وعقائدها السياسية على أساس من التكافؤ في تبادل المصالح الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام حق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية والاجتماعية وسيادتها على أراضيها.
والحقيقة أن العراق ربما لم يكن ناجحا في إدارة علاقاته الدولية في كثير من المراحل أو بالأحرى انه تطرف في تعريف فكرة الاستقلالية في السياسة الخارجية إلى درجة أوصلته إلى العزلة الدولية. ولكن العراق الجديد المحطم المشتت المحتل لم يذهب بعيدا فقد تطرف في تعريف فكرة الانفتاح على العالم والتبعية إلى درجة ما عاد لدور العرق الدولي لون أو طعم بل انه بات من الصعب على معظم دول العالم أن تستقبل مبعوثي العراق أو وفوده الرسمية من غير أن تسمع صدى توجيهات وأهداف ومصالح وزارة الخارجية الأميركية .
وربما نختزل القول إن غياب الاستقلالية وغياب منهج الروح الوطنية والقومية يعني بالضرورة غياب الحركة الفعلية والمؤثرة للسياسة الخارجية العراقية. نحن لم نعد دولة مستقلة بل إننا دولة محتلة ولسنا محتلين فقط من الولايات المتحدة إننا محتلون من قبل كل من يبحث عن مصلحة ونفوذ في الشرق الأوسط.
وبالتالي فليس من السهل أن نتكلم عن علاقات منصفة مع العالم أو مع المحيط العربي الذي يحتوينا لأننا أصلا لا نملك الإنصاف في علاقاتنا السياسية الداخلية ولا نملك الإنصاف حيال هموم الفرد العراقي الذي صارت دماؤه أرخص من أن توفر له ولأطفاله قوت اليوم أو أمن اللحظة التي يعيشونها. وفاقد الشيء لا يعطيه.
كاتبة عراقية