تكمن أهمية زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى ليبيا في انها تمثل عمليا بداية تأسيس العلاقات بين موسكو وطرابلس بعد انتهاء الحقبة السوفييتية، لقد كانت آخر لقاءات القمة التي عقدت بين البلدين عام 1985، لتتوقف بعدها الصلات بين البلدين لأكثر من 12 عاما.
وفي عام 1999 تم استئناف الصلات بين موسكو وطرابلس عندما زار ليبيا وفد حكومي روسي برئاسة نائب رئيس الحكومة ايليا كليبانوف الذي كان يتولى مسؤولية المجمع الصناعي ـ العسكري، والتقى مع العقيد معمر القذافي ووزير الدفاع أبوبكر يونس جابر ووزير الطاقة بدري، في إطار مساعي الحكومة الروسية آنذاك لاستعادة أسواقها التقليدية للتقنيات العسكرية.
إلا أن هذه الزيارة لم تكن أكثر من إحياء للصلات بين البلدين، واستمر التشاور بين موسكو وطرابلس عبر لقاءات وزيري الخارجية الليبي والروسي منذ بداية القرن الحالي دون أن يؤدي لأحداث نقلة نوعية في علاقات التعاون. وبعد أن تمكنت ليبيا من إنهاء أزمة لوكيربي، وتغير موقف واشنطن من الحكومة الليبية، وتم شطبها من قوائم الدول الممولة للإرهاب، وانتقالها إلى قوائم الدول التي يمكن التعاون معها خلال عام 2006.
لم تتقدم روسيا في تطوير صلاتها مع ليبيا، ولم تر موسكو في تغير مواقف الغرب تجاه ليبيا سببا لكي تسعى لإعادة صياغة علاقاتها مع طرابلس وتنشيط التعاون الثنائي، وخلال عام 2007 تفجرت قضية الممرضات البلغاريات التي استخدمت لإعادة الحوار الليبي مع أوروبا، وبهذه الطريقة فتح معمر القذافي نافذة لليبيا على أوروبا التي وجدت الطريق ممهدا أمامها نحو النفط الليبي.
وقد استقبلت ليبيا خلال هذين العامين العديد من المسؤولين الأوروبيين، منهم رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير، والرئيس الفرنسي ساركوزي، بل وتستعد لاستقبال وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. ما عكس حرص الغرب وليبيا على استئناف علاقات التعاون.
وبالرغم من أن رصيد التعاون الليبي السوفييتي يشكل قاعدة لاستئناف التعاون، إلا أنه ليس كافيا بالقدر الذي يجعل طرابلس تحرص على ذلك، خاصة أنه لم يستمر أكثر من 14 عاما، باعتبار أن الجهود الروسية في بناء اقتصاد ليبيا وقدراتها الدفاعية بدأت بعد تولي القذافي قيادة البلاد عام 1971.
ولم يقتصر هذا التعاون على توريدات الأسلحة والتقنيات العسكرية حيث عمل في ليبيا آلاف الخبراء السوفييت من عسكريين ومدنيين، حيث شيدت في ليبيا مشاريع عدة منها مركز الأبحاث الذرية «تاجورة» وخطا التيار الكهربائي بطول 190 و467 كم وأنبوب الغاز بطول 570 كم. وحفر حوالي 130 بئرا نفطية، واقتربت قيمة التبادل التجاري الاقتصادي بين البلدين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي من مليار دولار سنويا، دون حساب التوريدات عن طريق التعاون العسكري التقني.
وقد أعلن قسطنطين ماكيينكو نائب مدير عام المركز الروسي للتحاليل الاستراتيجية والتكنولوجيا أن قيمة العقود العسكرية التي يمكن أن توقع مع ليبيا يمكن أن تصل إلى 4 مليارات دولار. باعتبار أن تجربة النزاعات الأخيرة تظهر أن الصراع في الجو والسيطرة على المجال الجوي يشكلان عنصرين هامين وحساسين جدا، ما دفع القيادة الليبية للتفكير جديا في الحصول على أسلحة مع أنظمة دفاع جوي وطائرات.
مثل طائرات الميج 29 ومقاتلات السوخوي 35 ومنظومة الدفاع الصاروخية أس-300، لتتلائم مع أسلحة الجيش الليبي الحالية، والتي وفق مصادر عسكرية تقتصر على 130 مقاتلة روسية الصنع من طراز «ميغ ـ 21» و«ميغ ـ 23» (ما يقارب 50 بالمئة منها غير مؤهل للقتال)، وقاذفات «سو ـ 24» وقاذفات «تو ـ 22» من الموديلات الأولى. ولكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن مصدري الأسلحة الروس سيواجهون منافسة في السوق الليبية من جانب فرنسا التي تسعى لإقناع ليبيا بتعاقد على شراء 18 مقاتلة من طراز «رافال».
ويبدو واضحا أن موسكو لا ترى مدخلا لتسوية ملف الديون الليبية سوى التعاقد على شراء الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية، خاصة وأن البنية الأساسية للقوات الليبية تعتمد على الأسلحة الروسية. إلا أن التعاون يمكن ألا يقتصر على الجانب العسكري ـ التقني، وقد شجع نجاح الشركات الروسية في تشييد خطوط سكك حديدية في السعودية، تقديم عروض إلى ليبيا لتشييد شبكة خطوط سكك حديدية تربط البلاد.
وتواجه عملية استئناف العلاقات الروسية ـ الليبية وتطويرها مشكلتين، الأولى هي كيفية تسوية ملف الديون الليبية المستحقة السداد لروسيا، والتي تشغل حيزا أساسيا في الحوار بين البلدين، خاصة أن تقديرات وزارة المالية الروسية تفيد بأن هذه الديون بلغت 6,4 مليارات دولار، فيما يرى الجانب الليبي أن هذه الديون لا تزيد عن 7,1 مليار دولار.
أما المشكلة الثانية فهي اعتقال ممثل شركة «لوك أويل اوفيرسيز» الكسندر تسيغانكوف الذي تتهمه السلطات الليبية بـ «التجسس الصناعي». وقد أعربت موسكو عن دهشتها من هذا الإجراء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال لقائه نظيره الليبي عبدالرحمن شلقم، الذي أكد بدوره أن ظروف احتجاز تسيغانكوف جيدة، ووعد بإطلاق سراحه قريبا.
ويسود اعتقاد في موسكو أن اعتقال تسيغانكوف ما هو إلا ذريعة لإزاحة شركة «لوك أويل اوفيرسيز» من السوق الليبية لحساب الشركات الغربية. وسيتم استغلال هذه القضية بشكل مشابه لقضية الممرضات البلغاريات، للتقرب من الغرب، ما يعني أن الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للبلدين وهو التعاون في قطاع النفط والغاز سيواجه عقبات متوقعة، من المعروف أن شركات النفط الروسية «غازبروم» و«تاتنفط» و«لوك أويل اوفيرسيز» تعمل في مجال استثمار حقول النفط في ليبيا،ولكنها تواجه منافسة قوية من جانب شركات أميركية وفرنسية وإيطالية والتي عادت إلى ليبيا بعد رفع الحصار عنها.
ويستبعد العديد من المحللين في موسكو إمكانية التوصل لاتفاقات جادة للتعاون في هذا المجال، باعتبار أن الشركات الغربية أصبحت ذات نفوذ قوي في السوق الليبية، بالإضافة إلى أن محادثات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس القادمة في طرابلس تأتي على أرضية انتقال ليبيا من فئة دول «محور الشر» إلى «مركز للديمقراطية في شمال أفريقيا، لابد وأن يكون مقابله منح الشركات الغربية حقوق استثمار حقول النفط والغاز الليبية. من جهة أخرى مازالت الدبلوماسية الليبية تعتمد مبدأ تعددية الشركاء للاستفادة من تناقضاتهم في تحقيق مصالح ليبيا.
وعلى الرغم من هذه الصورة المعقدة لآفاق العلاقات الروسية ـ الليبية، إلا أن زيارة بوتين كانت لها أهمية خاصة، بعد زياراته للجزائر والمغرب ومصر، ليس فقط لأنها تؤسس لعلاقات روسيا خلال فترة رئاسة ميدفيديف، وإنما أيضاً لأنها تستكمل إعادة صلات روسيا مع أسواقها التقليدية كخطوة نحو العودة إلى هذه الأسواق.
مركز دراسات الطاقة - روسيا