أظهرت أعداد الناخبين الذين يحق لهم دخول انتخابات مجلس الأمة المزمع إجراؤها في مايو القادم تفوقاً عددياً ملحوظاً للنساء الكويتيات، إذ بلغت أعدادهن 200499 امرأة في مقابل 161185 رجلاً بمعنى أن أعداد النساء الكويتيات اللواتي يحق لهن أن ينتخبن تزيد بأربعين ألفاً عن أعداد الرجال.
وهذا الفارق يمثل رقماً مهماً لو اندفعت المرأة بكثافة للمشاركة الفعلية في أداء واجبها كمواطنة وذهبت لصناديق الاقتراع وأدلت بصوتها. والفارق العددي يعكس واقعاً ديمغرافياً يكاد أن يتكرر في جميع المجتمعات تقريباً، وهو أن معدل أعمار النساء أطول من معدل أعمار الرجال، فالمعدل في الكويت أكثر من 78 سنة للمرأة في حين معدل أعمار الرجال الكويتيين بالكاد يتجاوز 76 سنة.
بيد أن تفوق المرأة الكويتية العددي لا يعني البتة تفوقها في المشاركة في العملية السياسية وتحديداً في الانتخابات الحالية، فالسوابق غير مشجعة رغم اصطدامها بالأماني الشخصية للفئة المستنيرة في المجتمع، التي ناضلت طويلاً من أجل إنصاف المرأة وإقرار حقوقها السياسية.
يظهر ذلك جلياً في عمليتي الانتخاب اللتين مرتا منذ حصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية في العام 2005، تمثلت الأولى في انتخابات المجلس البلدي والثانية في انتخابات مجلس الأمة في العام 2006. ففي آخر انتخابات لمجلس الأمة، كانت مشاركة المرأة أقل بكثير من التوقعات ، حتى تلك التوقعات المحافظة، إذ لم تتجاوز أكثر من عشرين بالمئة ممن يحق لهن الانتخاب!!
أما الأرقام التي حصلت عليها المرشحات فكانت هي أيضاً متواضعة بكل المقاييس، فالمرشحة رولا دشتي، التي حصلت على أعلى الأصوات بالنسبة للمرشحات، لم يتجاوز عدد تلك الأصوات التي حصلت عليها الألف صوت إلا قليلاً، في حين تجاوز عدد من صوت للمرشحين الفائزين الثلاثة آلاف صوت!!
وكانت الطامة الكبرى أن الناخبات وقفن في الغالب الأعم ضد بنات جنسهن وحجبن أصواتهن عن المرشحات، حتى ان مرشحة من المرشحات اعترفت بأن أمها لم تصوت لها بل صوتت لابن عمها المرشح على اعتبار أن حظه كان أوفر في النجاح من حظها، كما أسرت لها أمها بذلك بعد أن خرجت من قاعة الاقتراع!! والأغرب إن الكثير من أصوات النساء ذهبت لمرشحي التيارات الدينية التي طالما وقفت في وجه حصولهن على حقوقهن السياسية!!
وكان ذلك مستغرباً من الوهلة الأولى لغير المدقق، أما المدقق والمتابع للشأن العام فلم تأخذه تلك النتائج على حين غرة، إذ إن سلوك المرأة الكويتية وتوجهاتها المحافظة تدعمها مؤشرات أخرى. خذ مثلاً ما يجري على الساحة الطلابية في جامعة الكويت منذ سنوات طويلة، فمن المعروف أن نجاح القائمة الائتلافية (قائمة الإخوان المسلمين) في انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت يعتمد أساساً على أصوات الطالبات وتحديداً على أصوات الطالبات ذوات الخلفيات القبلية!!
وليست هذه كل الصورة، ففي بحث مشترك شاركت به مع الدكتور محمد الرميحي والدكتور عيسى السعدي حول «المجتمع المدني» تبين لنا ان المرأة الكويتية لا تتصدر إلا رئاسة واحدة فقط من جمعيات النفع العام المهمة التي يربو عددها على الخمسين!! (وهي بالمناسبة، ليست كل مؤسسات المجتمع المدني بل أشهرها وأقدمها)!!
والمرأة الكويتية ليست متواجدة في أي من مجالس إدارات الجمعيات التعاونية، التي تأتي بالانتخاب والتي تنتشر في كل منطقة من مناطق الكويت، رغم إنها تشارك بها كصوت انتخابي فحسب!! وعلى ذلك، فالأرجح أن هذه الصورة المتواضعة لمشاركة المرأة ستستمر في الانتخابات الحالية، إذ ليست ثمة أي مؤشرات موضوعية تقول عكس ذلك!!
والحق، أن هذا الواقع السياسي لا يعكس الواقع الاجتماعي الاقتصادي للمرأة الكويتية، إذ إنها قد حققت في المضمار الاجتماعي (التعليم) والمضمار الاقتصادي (المشاركة في قوة العمل) قفزات مهمة. فقد بات التعليم منتشراً في أوساطها منذ أن طبق قانون التعليم الإلزامي في العام 1965، وقد ترتب على ذلك غياب الأمية بين الكويتيات من الفئة العمرية التي تتراوح أعمارها إلى الأربعين.
وتتفوق أعداد الطالبات في جامعة الكويت والمعاهد التطبيقية (تحوي كلتاهما أربعين ألف طالب وطالبة) أعداد الطلبة بنسبة 6 إلى أربعة، بمعنى أن ستين بالمئة من الطلبة هم من الإناث. وتشارك المرأة الكويتية بفاعلية في قوة العمل الوطنية وأخذت تطرق جميع مجالات العمل، ولم تعد مشاركتها تقتصر على المجالات التقليدية كالتدريس والخدمة الاجتماعية بل تعدتها إلى العمل في البنوك والشركات الاستثمارية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية غير التقليدية.
وللأسف فإن هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي لم ينعكس بصورة جلية في المجال السياسي، ويبدو أنه بحاجة إلى وقت كي تنضج عملية قبول المرأة في المعترك السياسي بالذات كنائبة في المجالس المنتخبة وعلى رأسها مجلس الأمة والمجلس البلدي ، بالرغم من أن الحكومة قد عينت وزيرتين (الدكتورة معصومة المبارك والدكتورة نورية الصبيح) وعينت نائبتين في المجلس البلدي، ورغم أيضاً أن الكثيرات من الكويتيات الأخريات يحتلن مناصب مهمة في الإدارة الحكومية ويقمن بأعمالهن خير قيام بكفاءة لا تقل عن الرجل.
ويبدو أن حظ المرأة الكويتية في الانتخابات القادمة سيكون أصعب بكثير من الانتخابات التي سبقتها، ذلك أن هذه الانتخابات ستجرى وفقاً للدوائر الخمس التي تلزم الدخول في تحالفات أو قوائم، للمشاركة في تحمل التكاليف المادية وفي تغطية التحرك على دواوين الناخبين الذين سيكون معدلهم في المنطقة الواحدة أكثر من سبعين ألف ناخب.
ولا يظهر أن القوى السياسية متشجعة لإشراك المرأة في قوائمها، خاصة ان معظم تلك القوائم إما قبلية أو قوائم للأحزاب الدينية التي لا تؤمن أساساً بحقوق المرأة!! وبالتالي ستجد الكثيرات من المرشحات الكويتيات أنفسهن في معترك انتخابي صعب، يفوق قدراتهن الشخصية.
هذه حقائق الواقع الاجتماعي نعرضها عارية كي نجد لها علاجاً، فليس التشخيص هو بهدف قتل التفاؤل في نفوسنا، بل هو من أجل العمل والتحرك بدراية بالواقع ومحاولة تغييره بالوسائل الممكنة، ويسمى ذلك «السياسية» وهي فن الممكن. ولعل محاولة اختراق هذا الواقع الاجتماعي السياسي الصعب من قبل التحالف الوطني الديمقراطي بترشيح الدكتورة أسيل العوضي هي بارقة الأمل في عملية التغيير.
كاتب كويتي