كلام يجري في أروقة اللجنة الأولمبية الدولية عن احتمال إلغاء رحلة الشعلة الأولمبية حول العالم في المستقبل بعد الدورة المقررة في بكين الصيف المقبل، عقب الحوادث التي رافقت مسارها في باريس ولندن وعواصم أخرى من العالم. شعلة أولمبياد بكين واجهت مشكلات عديدة في مسيرتها في باريس حيث قاطع ناشطون ومناصرون للتبت المسيرة واصطدموا مع الشرطة بعد أن أجبروا حامليها على إطفائها ثلاث مرات. نفس الشيء تعرضت له مسيرة الشعلة في لندن حيث قوطع تقدمها عدة مرات ولزم إطفاؤها ونقلها إلى حافلة لأسباب تتعلق بالسلامة.

وهكذا تحولت مسيرة الشعلة الأولمبية من مسيرة رياضية إلى مسيرة سياسية مع ضمان الوصول إلى مئات الملايين بل المليارات من المشاهدين والقراء في جميع أنحاء العالم. فالصين من خلال مسيرة الشعلة الأولمبية تحاول الترويج لعرسها الأولمبي في الصائفة المقبلة وناشطو حقوق الإنسان ومناضلو التبت يريدون تدويل قضيتهم.

الرياضة ليست كما يراها البعض مجرد منافسة من أجل القيم الإنسانية ومسابقات شريفة ونزيهة من أجل نشر ثقافة الأمن والسلام والأخوة والمحبة بين شعوب العالم فحسب، بل هي تجارة ورعاية وإعلانات وسياسة وأرباح تقدر بمليارات الدولارات.الخ.

وصدق هتلر يوما عندما قال «إن ملايين الناس المدربين على الرياضة الشغوفين بحب الوطن، المتشبعين بالروح الهجومية يمكن أن يتحولوا في رمشة عين إلى جيش». فالمنتخب البرازيلي الفائز بكأس العالم لكرة القدم سنة 2002 أنسى 180 مليون برازيلي هموم الفقر والمشكلات اليومية التي يعاني منها، وسوء الإدارة والتسيير من قبل الحكومة البرازيلية، واستطاع أن يجعل هذه الملايين من البشر ترقص السامبا في عرس واحد وحفل واحد، الأمر الذي عجزت وتعجز عن تحقيقه أية مؤسسة أخرى داخل البرازيل بما فيها مؤسسة رئاسة الجمهورية.

ومن خلال الفوز بكأس العالم أدرك الرأي العام البرازيلي أنه بألف خير وأنه الأحسن والأقوى عالميا في مجال كرة القدم وهذا إنجاز عظيم يجب أن تشكر عليه وزارة الرياضة والشباب والاتحادية البرازيلية لكرة القدم والحكومة والرئيس في البرازيل.

أكثر من هذا شعوب في دول عديدة رقصت السامبا وساندت الفريق البرازيلي وهنأت الرئيس البرازيلي والشعب البرازيلي بالإنجاز العظيم. هذه هي إذن الرياضة التي تخترق الهموم والمشكلات وتبرز الإنجازات والنجاحات.

في القرن التاسع عشر ربطت القوى الاستعمارية التطور والتفوق الرياضي بحركة الاستعمار وتفوق النظام الرأسمالي الغربي، وأصبح المتفوق في الرياضة هو المتفوق في الاقتصاد وفي السياسة وفي الحضارة وأصبح المنتصر في الرياضة هو المنتصر في الحرب.

وهكذا دخلت الرياضة السياسة وكيف لا وهناك دول استثمرت مليارات الدولارات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم أو لاستضافة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الأسيوية أو الإفريقية أو ألعاب البحر الأبيض المتوسط إلى غير ذلك. وبذلك تم توظيف الرياضة في خدمة السياسة وأصبحت السياسة الرياضية جزءا لا يتجزأ من سياسة الدولة. وأصبح الأبطال في مختلف الألعاب والرياضات وخاصة الألعاب الأكثر شعبية ككرة القدم وألعاب القوى يُقلّدون الأوسمة ويُستقبلون استقبال المحررين المنتصرين من رئيس الدولة وتقدم لهم التهاني والتبريكات من كبار السياسيين وصانعي القرار في العالم.

مع مطلع القرن العشرين تحوّلت الملاعب إلى فضاءات للدعاية السياسية وللتجنيد ولغسل الأدمغة وحتى للانقلابات العسكرية. فعبرت الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) عن حقها في تقرير مصيرها من خلال مشاركاتها المختلفة في المحافل الرياضية الدولية وكان فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري في عهد الاستعمار الفرنسي خير سفير للقضية الجزائرية ولتدويلها والتعريف بها في المحافل الدولية، ونلاحظ اليوم المنتخبات الفلسطينية ودورها الريادي والاستراتيجي بالتعريف بالقضية الفلسطينية وإسماع صوت أطفال الحجارة للعالم.

كما عبّرت الأقليات والأعراق عن حقوقها من خلال الرياضة وخير دليل على ذلك الزنوج الأميركيين ابتداء من العداء الشهير «جيسي أوينس» إلى الملاكم العالمي محمد علي الذي رفض أن يلتحق بالجيش الأميركي في فيتنام. كما بلغ استغلال الرياضة سياسيا ذروته مع صعود الأنظمة الشمولية في ألمانيا الهتلرية النازية وإيطاليا الموسولينية الفاشية والاتحاد السوفييتي من لينين إلى ستالين إلى خروتشوف وبريجنيف. الخ.

ففي سنة 1934 استضافت إيطاليا بطولة العالم لكرة القدم واستغل الفاشيون الحدث وحوّلوا ملاعب كرة القدم إلى حلبات للدعاية والحروب النفسية لتجنيد الجماهير واستغلال حماسهم والروح الوطنية فيهم ومشاعرهم القومية.

وفي سنة 1936 استقبلت ألمانيا النازية الألعاب الأولمبية وجمعت برلين الرياضيين من جميع أنحاء العالم لكن بشرط أن يعلم الجميع أن العرق الآري هو أحسن عرق فوق الأرض وأنه وُلد ليتفوق وليحكم العالم. وهكذا خرجت ألمانيا من الملاعب المختلفة للرياضات الأولمبية إلى غزو جيرانها وإعلان الحرب على العالم. كما لا ننسى أن هتلر رفض أن يسلم الميدالية الذهبية للعداء الأميركي الأسود جيسي أوينز لا لشيء إلا لأنه أسود، وحسب منطق هتلر، الأسود لا يمكنه التفوق على الأبيض مهما كانت الاعتبارات.

الأيديولوجية الاشتراكية والشيوعية هي بدورها استغلت الرياضة لتأكيد تفوقها وقوتها. الاتحاد السوفييتي، ومن كان يدور في فلكه وخاصة ألمانيا الديمقراطية ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا كانوا كلهم يستثمرون أموالا كبيرة في مجال الرياضة وكانوا ينفقون مئات الملايين من الدولارات على رياضييهم كما كانوا يستعملون المنشطات وكل الوسائل للتفوق على المعسكر الرأسمالي.

وكان الصراع يشتد دائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي في المحافل الرياضية الدولية وخاصة الألعاب الأولمبية وكانت دولة مثل ألمانيا الديمقراطية وكوبا بحجمهما الصغير وإمكانياتهما المحدودة تهزمان في المسابقات الرياضية العالمية دولا عريقة مثل فرنسا وألمانيا الغربية والولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وبريطانيا واليابان.الخ.

وابتداء من السبعينات من القرن الماضي ظهرت الحروب الخفية في المجال الرياضي باستعمال المقاطعة الرياضية، ففي سنة 1976 قاطعت معظم الدول الإفريقية الألعاب الأولمبية احتجاجا على مشاركة نيوزيلندا التي كانت تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع الأبارتيد بجنوب إفريقيا. وفي سنة 1980 قاطعت أكثر من 60 دولة الألعاب الأولمبية بموسكو احتجاجا على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان.

وفي الألعاب الموالية في سنة 1984 ردّ المعسكر الاشتراكي الصاع صاعين وتعامل بالمثل وقاطعت 18 دولة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها الولايات المتحدة الأميركية في لوس أنجلوس مبررة ذلك بانعدام الأمن. الألعاب الأولمبية والمسابقات الرياضية الدولية والرياضة بصفة عامة ليست فقط كما نظّر لها بيير دي كوبرتان وغيره، مبادئ ومثل عليا وتنمية الجسم والعقل وترقية المنافسة الشريفة في جو من التفاهم المتبادل والصداقة من أجل بناء عالم أفضل وأكثر سلما، عالم تسوده القيم الإنسانية العليا، تسوده الأخلاق والمحبة والوئام.

وإنما هي كذلك مظهر من مظاهر الصراع السياسي بين دول تتنافس وتتصارع كلها من أجل إثبات أنها هي الأقوى وهي الأحسن والأجدر بالفوز. وأخيرا ماذا ستفعل الدول الفقيرة المتفوقة رياضيا بمشاكلها اليومية وأوضاعها الاقتصادية المتدهورة وديونها المتصاعدة؟ وهل بإمكان الرياضة أن توّحد الكوريتين؟

وهل مشاركة العراق وأفغانستان وفلسطين في أولمبياد بكين ستقضي على أعمال التخريب والجرائم والقتل وعدم الأمن والاستقرار في هذه الدول وهل فوز فريق كرة القدم العراقي ببطولة آسيا في الصائفة الماضية سيزيل هموم ومشكلات الشعب العراقي؟

حسابات الصينيين تجاهلت أن الألعاب الأولمبية سلاح ذو حدين بإمكانها تحقيق الشهرة والسمعة الطيبة والأرباح وتسويق النجاح والتفوق الصيني للعالم، لكن في ذات الوقت بإمكان الشعلة أن تُستغل من قبل جهات أخرى.

كلية الاتصال - جامعة الشارقة