لم يكن اجتماع الحكومة الروسية الأخير لتقييم المرحلة السابقة أو لتقييم ما تم تحقيقه وما لم يتم تحقيقه في العام المنصرم فحسب، بل للموافقة على خطة جديدة لم يتم التطرق لها من قبل. تم الحديث في هذا الاجتماع بالدرجة الأولى عن برنامج فريد من نوعه لم تتطرق له روسيا الاتحادية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على الإطلاق، وهو برنامج اتحادي لعموم روسيا حول تطوير القاعدة التكنولوجية للأعوام المقبلة حتى عام 2011، للقفز إلى الأمام بقوة للوصول إلى مصاف الدول الغربية واليابان.
حيث صرح وزير الطاقة والصناعة فيكتور خريستينكو الذي يمثل هذا البرنامج في الاجتماع: إن هذا البرنامج يتمتع بوضع خاص لأنه الأداة الوحيدة التي سوف تتيح الفرصة للقيام باختراعات أساسية كانت اشتهرت بها روسيا سابقاً في مجال التقنية الصناعية، هذا يعني تغطية الاتجاهات الحساسة التي حصل فيها انقطاع وخلل تقني أصبح من الممكن ملاحظته بشكل واضح في الصناعة الروسية، بالإضافة إلى تأمين التعاون المباشر بين الحقل العلمي والإنتاج الصناعي.
بكلمات أخرى، لقد بدأت الثورة الصناعية الجديدة التي تم الحديث عنها أعواماً طويلة. ففي هذا البرنامج تم تحديد القطاعات الضرورية التي يجب أن توليها الحكومة الاهتمام الأكبر مثل الطاقة، الفضاء والطيران والصحة. وفي سياق الحديث أوضح خريستينكو أنه لا يمكن تطوير هذه القطاعات بدون الاهتمام بالأجهزة الإلكترونية والآلات الدقيقة والنهوض بها إلى أعلى المستويات، لأنها تعتبر حجر الأساس في هذا البرنامج.
ووعد خريستينكو أيضا أنه بحلول عام 2010 سيتم القضاء على الفجوة التي تفصل روسيا عن الدول الغربية واليابان، ولتحقيق هذا البرنامج تم رصد 100 مليار روبل روسي، بحيث يجمع نصف هذا المبلغ من المصانع والنصف الآخر سوف تقدمه الحكومة.
أعلن رئيس الحكومة ميخائيل فرادكوف أن عمل الحكومة في العام المنصرم كان منصباً بالدرجة الأساسية على «وضع الأسس الضرورية للسير بهذا المشروع إلى الأمام»، وكما هو واضح فإنه يعني بذلك المقدمة والمرجع للثورة الصناعية القادمة.
البرنامج الجديد يعتبر اقتراحا منطقيا واستمرارية لتطوير البرنامج القديم الذي تم تقديمه في عام 2002، على الرغم من وجود تغييرات جوهرية وعلى وجه الخصوص هنا تم إعطاء القطاع المدني الاهتمام الأكبر. أما القطاع العسكري الأكثر تطورا فإنه سوف يلعب دور «القاطرة» التي ستجر خلفها كل القطاعات المدنية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما تم إنجازه في الأعوام الأخيرة من تصنيع قدرة كافية وعالية الجودة في المجالات العسكرية.
على الرغم من ذلك يوجد هناك شكوك لدى البعض حول نجاح عملية البدء بهذا البرنامج، إذا ما نظرنا إلى التراجع عن ركب الغرب واليابان في مجال التقنية العالية الذي بدأ في الأعوام الأخيرة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفييتي، وزادت هذا الفارق بعداً الأعوام التي تلت مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي.
فإذا قلنا إن روسيا منذ ما قبل عام 1990 لم تتقدم إلى الأمام مطلقا في هذا المجال سوى بعض المحاولات الخجولة، فإن الفارق هنا تقريبا عشرون عاما، فهل من الممكن إزالة هذا الفارق خلال ثلاثة أو أربعة أعوام كما وعد خريستينكو؟ هذا مجرد تخمين، أما في حقيقة الأمر فإن إعادة إنشاء كل القطاع الصناعي بكل المقاييس هو مشابه تماما للخطة الخمسية الأولى التي قام بها الاتحاد السوفييتي في بدايات القرن الماضي.
عدا ذلك يخيل للمرء أن مبلغ 100 مليار روبل هو مبلغ كبير للوهلة الأولى فقط، لأنه سيصرف خلال أربع سنوات، أي وسطيا 25 مليار روبل سنويا، أي ما يعادل مليار دولار أميركي تقريباً، فهل هذا المبلغ يكفي يا ترى لمثل هذه الخطة العملاقة؟ إن تأمين الربط والتعاون المباشر بين القطاع العلمي وقطاع الإنتاج الصناعي .
كما قال خريستينكو ضروري جداً، لكن هل القوة العلمية الروسية قوية بما فيه الكفاية بحيث ترفد القطاع الصناعي بما تفرزه الأدمغة من ابتكارات حديثة؟ هل استطاع هذا القطاع أن يشفى من جراحه الثخينة التي ألحقها به نظام يلتسين؟
إحدى المشاكل الكبرى في هذا المشروع هي الكادر المهني المؤهل، إذا كان تجهيز العامل المهني الصناعي يحتاج لسنوات فكيف سيكون الأمر مع تجهيز العلماء؟ إن هذا السؤال وأسئلة أخرى، هو حديث الساعة في روسيا وليست مسألة التمويل. على الرغم من ذلك إذا كتب لهذا البرنامج الاستمرارية والديمومة والنجاح وتم تذليل الصعوبات التي سوف تعترض طريقه، فإن عام 2008 سوف يسمى بكل جدارة عام التحولات العظيمة.