«غالبية السودانيين ليسوا عرباً». هذا ما تريد أن تثبته بعض قيادات «الحركة الشعبية» الجنوبية في السودان من وراء إصرارها على أن يكون السؤال الرئيسي على استمارة التعداد السكاني المزمع في البلاد هو «هل أنت عربي»، وتأمل هذه القيادات الجنوبية أن تأتي الإجابات عن هذا السؤال في أنحاء السودان الشمالي بصيغ يجوز أن تفسر بأن الأغلبية لا ينحدرون من أصول عربية مما يجعل الحركة الجنوبية في موقف يمكنها من القول بصحة إدعائها بأن أغلبية السودانيين جنوبيين وشماليين ـ هم في الحقيقة أفارقة. وليسوا عرباً بحال من الأحوال.

ما مدى صحة هذه النظرية.. وصحة الادعاء الذي تستند إليه؟

لنستذكر أولاً أن القسم الأعظم من السودانيين الشماليين لايزالون يعرفون أنفسهم بالانتماء القبلي وإن كانت العصبية القبلية قد تلاشت تدريجياً بالانتقال من الريف إلى الحضر والتزاوج وانتشار التعليم وتعاقبه أجيالاً بعد أجيال، لكن هل يعني ذلك بالضرورة أنهم ليسوا عرباً؟

إذا سأل شمالي شمالياً آخر عن أصوله فإنه سيقول انه شايقي أو جعلي أو دونقلاوي أو هوندوي أو بقاري.. إلخ ورغم أنه قد لا يجيب، بقوله «أنا عربي» إلا أن ذلك لن ينفي هويته العربية، ولكن ما هي العروبة أو العربية؟ الإجابة عن هذا السؤال متوافرة على مدى أكثر من ألف عام.

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: العربية ليست لكم بأم أو أب إنما هي لسان فمن تحدث العربية فهو عربي، وهذا بالضبط هو ما توصلت إليه نظريات علم الاجتماع وعلم الأجناس المعاصرين في تصنيف هويات الأمم والشعوب بعد سقوط نظريات التصنيف على أساس العرق العنصري، بما في ذلك لون البشرة وتقاطيع الوجه، فالمعيار الأساسي لتحديد الهوية هو الانتماء الثقافي وليس العرق. وبموجب هذا المعيار فإن السودانيين قاطبة في الشمال السوداني بكل قبائلهم وخلفياتهم العرقية ينتمون إلى الثقافة العربية الإسلامية.

والآن فإن دعوة قادة من «الحركة» الجنوبية إلى التصنيف العرقي للسودانيين كافة فإنهم يريدون إحياء نظريات عتيقة سقطت وطواها تاريخ العلم، وهذا الطرح ليس جديداً، فهو في الحقيقة محاولة لبعث الرؤية الأساسية لزعيم الحركة الجنوبية الراحل جون قرنق، عندما خرجت الحركة إلى حيز الوجود قبل نحو ربع قرن كان «المانفستو» الذي نشرته ذا نفس اشتراكي ماركسي بصورة إجمالية مما اجتذب إليه قسماً كبيراً من النخب الشمالية المثقفة، ولكن ثبت لاحقاً من خطابات قرنق المتعاقبة أن هذا الطرح الاشتراكي لم يكن سوى غطاء دعائي زائف.

فالرؤية الحقيقية لزعيم الحركة مبنية على اعتبارات عنصرية صرف، وبهذه الصفة فإنها رؤية موجهة ضد الثقافة العربية الإسلامية الغالبة في السودان الشمالي، وقد صاغ قرنق رؤيته بصورة تنظير رقمي مفاده أن المنحدرين من أصول عربية في السودان أقلية عددية لا تتجاوز 35 في المئة من مجموع سكان البلاد قاطبة بشمالها وجنوبها. أما الأغلبية ـ أي 65 في المئة ـ فهم زنوج.

ويلاحظ ابتداءً أنه لكي يبرر تنظيره الرقمي المبتدع فانه بحصر طرحه في «العروبة» فإنه تعمد حذف عامل الانتماء الإسلامي. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فقد ابتدع قرنق نظريته العنصرية لكي يمهد لنظرية أخرى: نظرية اقتسام السلطة والثروة.