غطرسة إسرائيل، جعلتها تتصرف، باستمرار، وكأن ضرب الفلسطينيين؛ امتياز تمارسه وفق مشيئتها وتوقيتها؛ ومن دون ثمن. وإذا ردّ المضروب عليها بالمثل وبصورة مكلفة، تطلق اليد لآلتها العسكرية القاتلة؛ ضدّ مدنيين، انتقاماً. تختبئ وراء معزوفة الإرهاب، لتسويق وجبتها الدموية الجديدة. ثم تعيد الكرّة، مرة بعد مرة، بحيث صارت مجزرتها مستديمة، ضدّ الفلسطينيين.
ولطالما تكرر هذا المشهد. خاصة في الآونة الأخيرة. وبالتحديد في أوقات ما عُرف بالهدنة. تخترق قوات الاحتلال الهدوء بعمليات الاغتيال، أو التوغل، أو تشديد الحصار؛ استفزازاً، لاستثارة الرد؛ الذي تأخذ منه ذريعة للانقضاض على المدنيين، في غزة أو في الضفة.
وما جرى في غزة أول أمس، كان عيّنة من البضاعة نفسها. توغل وقصف إسرائيلي، شمال شرق غزة؛ أدّى إلى وقوع القوة المتوغلة في كمين؛ كانت حصيلته ثلاثة قتلى في صفوفها. جنّ جنونها، من العملية النوعية؛ التي وصفها شاؤول موفاز بأنها كانت «نجاحاً باهراً».
ثم استهدف الطيران الإسرائيلي تجمعاً للمدنيين، في أحد المخيمات، وأمطره بوابل من الصواريخ؛ سقط على اثرها حوالي ثمانية عشر قتيلاً،؛ من بينهم، كالعادة، أطفال. مجزرة جديدة، واكبها سيل من التهديدات، جرياً على المألوف، بمواصلة العملية، والقيام بالمزيد من التصفيات والاغتيالات.
ومثل كل مرة، لم تتجاوز ردود الفعل، في العالم، على هذه الحفلة الدموية؛ ما يزيد على التفرّج. في أحسن الأحوال جاءت ، بلغة الاستنكار. فقط لا غير. وبالتحديد من جانب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون؛ المفترض أن يكون ردّه أكثر حدّة. في أقله من صنف الإدانة.
فالأمم المتحدة موكول إليها، من جملة ما تقوم به، الحرص والسهر على التزام الجميع، بالقوانين والمواثيق؛ التي تكفل حماية المدنيين، كل المدنيين وليس فقط الإسرائيليون منهم، في ساحات العمل العسكري. خصوصاً عندما تكون العمليات فاقعة بعدوانيتها. لكن المعمول به ليس كذلك. السكوت، أو الاستنكار الفاتر، هو حصة الفلسطينيين، باستمرار. وكأن في الأمر إجازة مرور إلى إسرائيل، كي تمعن فيهم، قتلاً وتدميراً.
وهي واصلت هذا الإمعان، باحتراف عدواني عالٍ؛ كان دوماً يحظى بـ «تفهم» الآخرين، من باب الزعم أن إسرائيل «تدافع»! عن نفسها. عقلية الامتياز الخاص بها، فرضتها كقاعدة مسلّم بها، عند تقييم ممارساتها. وهي ذات العقلية التي جعلتها تقيم الدنيا ولا تقعدها على الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر؛ لأنه أراد وأصرّ على الاجتماع بقيادات من حركة «حماس». منعته من المرور إلى غزة وقاطعت زيارته.
هي أيضاً نفس المقاربة التي حملت الوزيرة تسيبي ليفني، رفع صوت الاحتجاج على الرئيس عباس، لأنه اعتزم تقليد خمس أسيرات فلسطينيات وسام «نوط القدس». وليفني لم تتورع في مؤتمر الدوحة، قبل يومين، عن مطالبة العرب جميعاً، التطبيع مع إسرائيل؛ قبل أية خطوة سلمية من جانبها.
طالما بقيت الردود على كل عربداتها، في حدود تتراوح بين السكوت والاستنكار الخجول ناهيك بالحماية الأميركية؛ وطالما بقي التصدّع الفلسطيني على حاله المعروف وأكثر؛ فإن إسرائيل مستمرة في مجازرها. اليوم في غزة وغداً في الضفة؛ وهكذا دواليك.
