تبنت الولايات المتحدة الأميركية سياسة دعم الدولة العبرية على أرض فلسطين منذ عام 1948 وصاحبت ذلك عملية «صهينة السياسة الأميركية» تجاه الشرق الأوسط بالرغم مما كان يقال عن ان السياسة الأميركية وتحديدا موقف وزارة الخارجية، والتي سميت آنذاك بال«arabsits» أو الساسة العرب في وزارة الخارجية الأميركية، كانت تميل إلى فهم الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية.

وهذا الأمر كان صحيحاً نسبياً حيث إن الكثير من المواقف الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط تبنت بعض المواقف العربية لاسيما تلك التي صدرت عن وزارة الخارجية، مثلما حدث عام 1948 عندما قرر وزير الخارجية جورج مارشال رفض القرار الرئاسي الأميركي بتأييد قيام إسرائيل أو في موقف الرئيس أيزنهاور الذي أمر إسرائيل وبريطانيا وفرنسا بوقف العدوان الثلاثي على مصر ونجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة حتى حدود الخط الأخضر.

ولكن المؤكد أن هذه المواقف السياسية لواشنطن لم تكن تعبيراً عن دعم الحق العربي بقدر ما هي استراتيجية سياسية هدفت لتحقيق مصالح أميركية في منطقة الشرق الأوسط. لقد أعلنت واشنطن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام إسرائيل في عام 1948 عن استراتيجية ذات ثلاثة محاور ارتبطت بالمنطقة ملخصها هو التالي: ضمان أمن ووجود إسرائيل وضمان جريان النفط العربي للأسواق الغربية واحتواء الخطر الشيوعي ومنعه من الانتشار في منطقة الشرق الأوسط.

والموقف الأميركي تجاه الشرق الأوسط بعد حرب يونيو عام 1967 مروراً بانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية عام 1991 وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 يثير الحيرة والقلق ويدعو إلى التأمل لدى أي محلل سياسي لديه ولو القليل من المعرفة بالسياسة الأميركية وصناعتها داخل المؤسسات الأميركية.

هذا ليس فقط لأن الموقف الأميركي كان باستمرار داعماً قوياً للسياسة الإسرائيلية، ولكن لأن السياسة الأميركية تبنت باستمرار مواقف سياسية لا تعير أي احترام للقيم التي حددتها الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات جنيف. لقد تبنت السياسة الأميركية منذ عام 1948، وتحديداً بعد عام 1967، مساراً متناقضاً لحقوق الإنسان والديمقراطية وحق الشعوب بتقرير المصير، كما نادى به الرئيس الأميركي الأسبق ويلسون، وتم إرساء سياسة أميركية شرق أوسطية ظاهرها أميركي وجوهرها صهيوني ـ إسرائيلي.

لقد أيدت الولايات المتحدة إسرائيل في شن حرب ضد الدول العربية في يونيو 1967 وتمت بموافقة غير معلنة من قبل الرئيس جونسون، وبعد انتهاء الحرب حدث تحول استراتيجي للسياسة الأميركية ليس فقط تجاه القضية الفلسطينية ولكن أيضاً تجاه العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية وتحولت إسرائيل إلى دولة حليفة للولايات المتحدة تربطهما علاقات عضوية.

أولاً، تخلت واشنطن عن جميع القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية الخاصة بالقضية الفلسطينية وتحديداً القرار 181 الذي طالب بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية والقرار 194 الخاص بمسألة اللاجئين والذي يدعو لعودة وتعويض اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من وطنهم وإلى جعل مدينة القدس منطقة دولية خاضعة لنظام دولي ترعاه الأمم المتحدة ويدعو لتأمين حرية العبادة والتنقل لجميع الجنسيات وأتباع الديانات السماوية الثلاث.

ثانياً، تبنت واشنطن قرار مجلس الأمن 242 الذي طالب الدول العربية الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وضمان أمنها مقابل انسحاب إسرائيلي من أراض احتلت عام 1967. إن القرار 242 تجاهل جوهر الحقوق الوطنية الفلسطينية ولم يشر من قريب أو بعيد إلى جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وكأن القضية الفلسطينية هي قضية حدود بين إسرائيل والدول العربية وليست قضية وجود وحقوق تاريخية للشعب الفلسطيني.

كما أن القرار 242 يطالب بحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي على أساس تسوية سياسية في إطار ليس الانسحاب الكامل إلى حدود 1967 ولكن على أساس المفهوم الأميركي ـ الإسرائيلي الذي اعتبر أن أراضي 1967 المحتلة هي أراضي متنازع عليها وأن أية تسوية لا بد أن تتم ضمن مفاوضات مباشرة وثنائية بين إسرائيل والدول العربية.

أي أن الولايات المتحدة قدمت تنازلاً استراتيجياً إضافياً لإسرائيل مفاده أن مدى الانسحاب الإسرائيلي سيأتي كنتيجة للمفاوضات المباشرة وموازين القوى المختلة لصالح إسرائيل وليس استجابة للشرعية الدولية التي طالبت بالانسحاب الكامل مقابل اعتراف عربي بحق إسرائيل في الوجود والسلام.

ثالثاً، بخصوص مسألة اللاجئين الفلسطينيين، نجح الرئيس جونسون بربطه بالقرار 242 عندما أعلن ضرورة إيجاد حل عادل لمسألة اللاجئين (لم يحدد من هم اللاجئون) ولم يربطه بالقرار الدولي السابق 194 ولكن شدد على أن إيجاد حل عادل لمسألة اللاجئين هي مسؤولية تقع ليس فقط على إسرائيل بل على جميع الدول العربية.

رابعاً، أما بالنسبة لقضية القدس المحتلة، تخلت واشنطن عن سياستها السابقة المؤيدة لتدويل مدينة القدس واعتمدت الرؤيا الإسرائيلية التي أرادت تحديد مستقبل المدينة المقدسة عن طريق المفاوضات المباشرة، أي اعتراف أميركي بالأمر الواقع الجديد للسيطرة الإسرائيلية أو ما يسمى «de facto» في مدينة القدس على حساب الحق التاريخي والوطني الفلسطيني في المدينة المقدسة أو ما يسمى «de jure»، والسماح لإسرائيل بخلق واقع جديد يعيق أية محاولة نحو حل متوازن للقضية الفلسطينية.

وتعهدت الولايات المتحدة بضمان تفوق إسرائيل عسكرياً وتقنياً على جميع الدول العربية واعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية وسعت لخلق قيادة بديلة في الضفة وقطاع غزة تقوم بتمثيل الشعب الفلسطيني في أي مفاوضات مباشرة محتملة. وتغيرت هذه السياسة بعد عام 1993 بعد أن توصلت منظمة التحرير إلى اتفاق إعلان مبادئ واتفاقات مرحلية غامضة فضفاضة وفقاً للرؤى الأميركية والإسرائيلية تجاه المرحلة الانتقالية المستمرة إلى يومنا هذا.

لقد أثبتت واشنطن خلال سنوات المفاوضات الطويلة بين منظمة التحرير وبعض الدول العربية من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى أن الموقف الأميركي ثابت في تأييده للمواقف الإسرائيلية بل وضاغط على الموقف العربي والفلسطيني من أجل تقديم مزيد من التنازلات سواء في ملفات المرحلة الانتقالية عبر اتفاقات أوسلو وتبعاتها أو في المفاوضات التي تمت في كامب ديفيد حول ملفات الحل الدائم للصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وعندما رفض الجانب الفلسطيني الحلول الإسرائيلية وانتفض الشعب الفلسطيني ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي والسياسة الأميركية، أيدت إدارة الرئيس جورج بوش الموقف الإسرائيلي واعتبرت أن انتفاضة الأقصى هي إحدى وسائل العنف والإرهاب وحملت القيادة الفلسطينية مسؤولية تفاقم الأزمة وفشل العملية السياسية معتبرة أن الرد الإسرائيلي هو دفاع عن أمن ووجود إسرائيل.

إن دراسة وتحليل السياسة الأميركية طوال العقود الستة الماضية تحتم على الفلسطينيين والعرب دراسة عملية صنع القرارات السياسية تجاه الشرق الأوسط في المؤسسات الرسمية الأميركية والدراسات الصادرة عن بعض المراكز والمعاهد الأميركية الرئيسية التي تشكل مصدراً لصنع السياسة الأميركية، وخير مثال على ذلك سياسة الاحتواء المزدوج (ضد العراق وإيران بعد حرب الخليج الثانية) التي قدمت من مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بقيادة السفير مارتن أنديك وتم تبنيها من قبل إدارتي بوش الأب وكلينتون.

أيضاً لا ينبغي التغاضي عن دور اللوبي اليهودي وتأثيره القوي على المواقف الرسمية للساسة الأميركان والدعم المادي والإعلامي الذي يقدمه للحزبين الجمهوري والديمقراطي أثناء العملية الانتخابية للسلطتين التنفيذية والتشريعية. بالرغم من أن مصلحة واشنطن الاستراتيجية تكمن في تغيير سياستها الشرق أوسطية إلا أن هذا الأمر لن يحدث طالما بقي العرب والفلسطينيون في أوضاعهم السياسية الحالية واستمرت المبادرة العربية التي رفضتها إسرائيل والولايات المتحدة منذ ولادتها هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحل الأزمات والصراعات في المنطقة.

ليس المطلوب طبعاً إعلان الحرب أو رفض السلام العادل، ولكن الحرب قد تُفرض على العرب من الخارج ويرفض السلام العادل والشامل من الخارج، ويتكرر سيناريو العراق ولبنان والسودان والعرب يقفون لا حول لهم ولا قوة أمام ضياع الحقوق العربية. بالتأكيد إن الخيارات الاستراتيجية والسياسية كثيرة لدى العرب والقدرات والإرادات قوية والانتظار يبقى للقرار العربي الرسمي في تحمل مسؤولية مستقبل بلدانهم وشعوبهم.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com