تناقضات الفكر القومي العربي وفشله في تجسيد مشروع تنموي ساهم في إذكاء النزعة الاسلاموية المتطرفة في الوطن العربي، وباتت الحركات الإسلامية الراديكالية على قناعة بضرورة ممارسة العنف كأسلوب لتجسيد مشروعها الإسلامي مستغلة نشوة انتصارها على الإمبراطورية السوفييتية في أفغانستان وقناعتها أن العالم الجديد الذي تمخض عن انهيار المنظومة الاشتراكية يناصبها العداء لأنه يحمل فكرا أيديولوجيا مناقضا لتوجهاتها.

لقد ذكر المفكر الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» أن العالم الجديد الأحادي القطبية قائم على تناقضات أيديولوجية لا عسكرية، حيث الصراع بين الأيديولوجيات الشرقية والغربية والإسلامية ولكن تميل الغلبة برأيه، في الأخير، للفكر الليبرالي، وذات الطرح ذهب إليه صموئيل هنتنجتون بادعائه أن العالم قائم على صراع الحضارات، وكان يقصد بأن الحرب الجديدة، بعد انكماش الاتحاد السوفييتي، سوف تستمر أيديولوجيا وحضاريا.

لكن الصراع هذه المرة اشد من الصراع السابق بين القوتين العظميين لأنه يجمع حضارتين رئيسيتين هما الحضارة الغربية المتمثلة في الدين المسيحي والحضارة الشرقية المتمثلة في الدين الإسلامي، وهاتان الحضارتان تجمعان زهاء المليارين من البشر، وسبق أنهما دخلا في حروب طويلة انتهت باستعمار المنطقة العربية لقرون طويلة.

لكن الواقع الدولي الراهن الذي تتفرد بإدارته الولايات المتحدة الأميركية أصبح واقعا تحكمه النزعة الليبرالية، ويعني ذلك فيما يعنيه، بالنسبة للفكر السياسي الراهن أن سيطرة النزعة الليبرالية الغربية سوف يتبعها بالضرورة سيطرة دينية مسيحية، ومن الطبيعي أن تصطدم تلك النزعة المتغلبة بنزعة دينية تنافسها هي النزعة الدينية الإسلامية.

لقد كانت التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 الشرارة التي استغلتها القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لتعلن صراحة عن نيتها في إقامة أنظمة سياسية ديمقراطية ليبرالية في المنطقة العربية بالأساس ثم بقية الدول الإسلامية. وكانت البداية بأفغانستان عندما أطيح بحكم طالبان الديني وجيء بنظام موالٍ للولايات المتحدة الأميركية، وقدمت للنظام الجديد تعليمات صارمة بضرورة القضاء على كل ما هو ديني والعمل على تغيير ملامح المجتمع الأفغاني بجعله مجتمعا شبيها بالمجتمعات الأميركية والأوروبية.

لقد اتهمت الولايات المتحدة الأميركية العديد من الدول العربية بضلوعها بشكل مباشر أو غير مباشر في عمليات الإرهاب الدولي، وبوقوفها إلى صف جماعات الإرهاب وطالبتها بتغيير مناهج التدريس وبإفساح الحرية لحرية المرأة وحرية التعبير كمقدمة للانتقال إلى نظام ليبرالي متفتح.

لقد فشلت المجتمعات العربية في تجسيد مشاريعها القومية خصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي الذي مثل لها المظلة الدولية التي كانت تحتمي وراءها، إلا أن تفكك القوة السوفييتية أفقد الدول العربية سندا دوليا ووجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه إما تتكيف مع حركة الواقع الدولي الجديد الذي تحكمه النزعة الليبرالية المسيحية وإما الاصطدام مع الواقع الراهن أو البقاء على الهامش.

لكن ما يلاحظ أن العديد من الدول العربية أخذت بطريق التكيف مع الرهانات الجديدة والتقرب إلى الولايات المتحدة الأميركية كتعبير عن رغبتها في الظفر بمقعد في العالم الجديد، وهكذا بدأنا نشهد بروز أنظمة سياسية مرنة تقبل بالانفتاح على الغرب وبحرية التعبير وبالتناوب على السلطة، بل هنالك من الدول العربية من أعادت النظر في مناهج التعليم بجعلها مناهج قريبة مما يدرس في المجتمعات الأوروبية والأميركية.

أما الجماعات التي ترفض النهج الليبرالي فقد اختارت طريق المواجهة المسلحة كبديل للحفاظ على توجهاتها الدينية والسياسية، ونراها تعبث بمجتمعاتها بالقتل والتنكيل للمدنيين مثلما كان الحال عليه في الجزائر ومصر. أصبح لزاما على المجتمعات العربية البحث عن البديل الأنسب لحل مشكلاتها في عالم تتنافس الدول الكبرى فيما بينها في من تكون له الغلبة في الظفر بالسوق الدولية.

لقد تراجعت معدلات النمو الاقتصادي لمعظم الدول العربية بفعل فشلها في تنفيذ خطط وبرامج تنموية. وفشلت أكثر في تجسيد مشروع سياسي متفتح يعطي للإنسان القيمة ويجعله الثروة الحقيقية للتنمية، فقد ساهمت الأنظمة السياسية في الدول العربية ذات التوجهات القومية والاشتراكية في إفشال المشاريع الوحدوية السياسية، ووجهت طاقاتها في إذلال شعوبها وتفتيت صف مفكريها، وكانت النتيجة أن تحولت المجتمعات العربية إلى مجتمعات مستهلكة تنتظر لقمة العيش لا غير وليس لها مجال للتفكير أو البحث عن حلول لها.

كاتب ومحلل سياسي جزائري

Khiredine12@hotmail.com