ما هي المرجعية القيمية النهائية لأي شخص مسلم: هل هي وثيقة «ميثاق حقوق الإنسان» الغربية أم الإسلام كعقيدة ومنظومة سلوكية؟.

في نهاية مؤتمر عقد في القاهرة خلال الأسبوع الماضي حول «التمييز الديني» حفل البيان الختامي بانتقادات صريحة تجاه القيم الإسلامية. وبعض هذه الانتقادات وجه إلى الدستور المصري، لأن إحدى مواده الرئيسية تنص على أن «الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع». فالمشاركون في المؤتمر ـ وأغلبهم مسلمون ـ اعتبروا هذه المادة غطاءً دستورياً للتفرقة بين المواطنين في مصر على أساس الدين».

ومن الواضح أن البيان الختامي من أوله لآخره ينطلق من أن المرجعية القيمية المعقدة هي المبادئ الغربية، ولو كان المشاركون أو أغلبيتهم من غير المسلمين لجاز فهم موقفهم، لكنهم مسلمون ـ أو هكذا يفترض أن يكونوا ـ وبالتالي كان الأجدر بهم الالتزام بمنظومة الأوامر والنواهي المنصوص عليها في القرآن والأدب النبوي، خاصة أنهم يتناولون شأن مجتمع يشكل فيه المسلمون الأغلبية الساحقة ولا تمارس فيه الدولة سياسة تمييزية ضد الأقلية من غير المسلمين.

ليست هذه دعوة إلى تجاهل كامل المواثيق الدولية السارية والتي تستلهم القيم الأخلاقية الغربية. لكننا نقول إن المعيار الذي ينبغي أن يكون معتمداً لدى المسلمين هو منظومة المبادئ الإسلامية؛ فيأخذ المسلمون من المواثيق الدولية ما ينسجم مع هذا المعيار ويتركون ما يتعارض معه.

من بين بنود الميثاق الدولي لحقوق الإنسان مثلاً الحق في الحرية. وإجمالاً فإن هذا البند لا يتعارض من حيث المبدأ مع الإسلام، ولكن التعارض ينشأ من بعض التفاصيل، فالإسلام لا يقر بحال من الأحوال أن يتسع نطاق الحرية الإنسانية ليشمل حرية الإباحية الجنسية للرجال والنساء خارج إطار الرباط الزوجي المقدس، كما أنه يحظر الشذوذ الجنسي، سواء بين الرجال أو بين النساء.

لقد جاء البيان الختامي في إجماله كوثيقة ذات طابع عدائي للإسلام ومبادئه بصورة عامة، وكأن هدف المشاركين هو التبخيس من شأنه من منظور عربي، وفي هذا السياق العام إشارة انتقاصية ضد العلماء، حيث ذكر أن الدستور المصري يعطي غطاء «لأشخاص غير منتجين» للتدخل في التشريع؛ محللين ومحرمين القوانين التي يشرعها البرلمان.

هناك بالطبع بعض علماء المسلمين الذين يشتدون في التفسير والاجتهاد، ولكن ليس هذا معناه إلغاء دور العلماء في شرح أمور الحلال والحرام، باعتبار أنها أوامر ونواه إلهية، لا يكون المسلم مسلماً إلا بالالتزام بها، لقد كان هذا دورهم منذ صدر الإسلام ويبقى حتى اليوم.

ولعل أغرب ما ورد في البيان انتقاده للمناهج التعليمية في مصر، مما ينطبق أيضاً على بقية البلدان العربية والإسلامية، ففي هذا الصدد يشير البيان إلى ما اعتبره اتساع ظاهرة تحول مقررات اللغة العربية «إلى دروس إجبارية في العقيدة الإسلامية».

ولنتساءل: ما العيب في هذا في مجتمع مسلم. فالمرجعية الأساسية والنهائية لمتانة اللغة العربية هي كتاب الله الذي نزل بهذه اللغة. والتي تعتبر أيضاً لغة أهل الجنة؟ إن الجدير بكل مسلم هو أن يتمنى انتشار اللغة العربية لتشمل كل المجتمعات المسلمة غير العربية، لا أن يسعى إلى الحط من قدرها. لقد علمتنا السوابق أن تنظيم مثل هذه المؤتمرات ترعاه جماعات ومؤسسات غربية من وراء ستار.