سيلفيو برلسكوني، العائد من جديد إلى رئاسة الحكومة الإيطالية، بدا مستعجلاً أكثر من اللازم؛ في إظهار مشاعر الجفاء، تجاه المنطقة. فور إعلان فوزه في الانتخابات، سارع إلى بعث الرسائل غير الودّية، بل الاستفزازية، باتجاه الشرق الأوسط. لشدّة اندفاعه، لم ينتظر حتى إلى ما بعد تشكيل حكومته، ليعلن عن سياساته ومواقفه؛ التي من حقه اتخاذها والإعلان عنها.
آثر أن تكون رسالته، من البداية، واضحة وقاطعة؛ بأنه من أنصار إسرائيل، على طول الخط وعرضه؛ وبالتالي ليس من أنصار الحوار؛ وبما يفيد ضمناً، بأنه ينظر إلى المنطقة بشيء من الدونيّة. ففي أول تصريح له، بعد إعلان فوز اليمين الإيطالي، بزعامته، في الانتخابات التشريعية، سارع إلى القول ان أول زيارة له إلى الخارج ستكون «إلى إسرائيل، لأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
لم يكتف بالتأكيد مجدداً على علاقته الحميمة المعروفة بإسرائيل؛ بل تعمّد الغمز المبطّن من زاوية المنطقة؛ بقوله انها «الديمقراطية الوحيدة» هناك. وهي معزوفة عملت إسرائيل من زمان على الترويج لها في الغرب؛ وقد نجحت في مسعاها هذا؛ وإلى حدّ بعيد.
إن حشر إسرائيل، بهذه السرعة وفي هذه اللحظة المبكرة من عودته إلى رئاسة الحكومة؛ وحتى قبل أن يتسلّم المنصب رسمياً؛ ليس صدفة من غير مغزى. ولا هو كان من دواعي حملته الانتخابية. فالرجل خاض المعركة على أساس برنامج داخلي بحت، يتعلق بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها إيطاليا في هذه المرحلة.
السياسة الخارجية وقضاياها كانت خارج الحملة الانتخابية. ثم انه تجاهل كل أزمات الشرق الأوسط وملفاته المشتعلة، ليخصّ إسرائيل لوحدها بإشارته التفضيلية. وإذا كانت الرسالة تقرأ من عنوانها، فإن كلام برلسكوني، القديم ـ الجديد؛ يؤشر إلى عدة أمور. أولها أنه على عجلة من أمره لمسح إرث سلفه، برودي، الذي اعتمد سياسة موزونة ومقبولة، حيال الشرق الأوسط وقضاياه. ترجمة ذلك، اندلاق إيطالي جديد في الحضن الإسرائيلي. ثانياً، انه على عجلة من أمره للانضمام إلى الركب الأوروبي المتبلور، والمرتمي أكثر فأكثر في خندق الانحياز المكشوف والمفضوح، لإسرائيل.
اتضح ذلك مؤخراً في زيارة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إلى إسرائيل؛ التي قضت فيها ثلاثة أيام ، تدور في أنحائها؛ من دون أن تجد خلالها ساعة زمان لزيارة رام الله؛ وعقد لقاء مع القيادة الفلسطينية. تلاها الرئيس الفرنسي، ساركوزي، الذي قام هو الآخر بزيارة خاصة لإسرائيل، من دون أن يعرج شطر رام الله؛ في زيارة فلسطينية. ولو من باب المجاملة.
ممارسة أوروبية، ومن الكبار، تحمل علامات ما يشبه القطيعة مع الخط العام المتميز الذي سلكه الأوروبيون حتى فترة وجيزة. وخاصة بالمقارنة مع السياسة الأميركية المعلومة، تجاه القضية الفلسطينية. كان هناك قدر من التوازن. على الأقل، من المعقولية. يبدو أن ذاك بات زمناً آفلاً.
واليوم يأتي برلسكوني، ليضيف مدماكاً آخر في هذا التحول؛ وبخطاب تدعو مفرداته إلى القلق؛ باستخدامه عبارات مثل «جيش للخير»، مقابل «جيش للشر». عبارات ترددت وسمعها العالم من الرئيس بوش؛ ورأى ما أدّت إليه. خطاب لا يبشّر بالخير.
