لا تخفى على اي منا الأحاديث والأنشطة المكثفة هذه الأيام من اجل تعزيز الهوية الوطنية، وكلها تأتي كردود فعل على خطاب صاحب السمو رئيس الدولة عام 2005، المتماشية مع أهداف إستراتيجية الحكومة الاتحادية التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإعدادها عام 2007 لتعزيز الهوية الوطنية على كافة الصعد وفي مختلف الاتجاهات.
وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أعدت دراسة خاصة بالهوية الوطنية، وحسب الوزارة فإن ملامح ومؤشرات الدراسة التي استغرق إعدادها عاماً كاملاً غطت كافة مناطق الدولة، واستهدفت الفئات العمرية التي تتراوح بين الثامنة عشرة والستين عاما.
الأحاديث والمؤتمرات والخطط الموضوعة لتعزيز الهوية الوطنية تأتي محل تقدير لأنها تصب في هدف واحد لا يختلف عليه اثنان من مواطني الدولة، لكن الأهم في هذا كله ان تنتهي هذه الأحاديث بخطوات نتلمس آثارها فعليا في أرض الواقع. فالدراسات وان استغرقت في إعدادها أعواما، ولو بلغ عدد المشاركين فيها اعدادا يصعب حصرها، يبقى المحك الأساسي للحكم على نتائج هذه الدراسات في إمكانية تطبيقها وتنفيذها وقطف ثمارها.
تتناول ( الدراسة أسباب ومواطن الخلل أو الضعف في مسألة الهوية الوطنية، وسبل إيجاد حلول ناجعة لهذه الثغرات، والتأكيد على أهمية تعميق روح الانتماء الوطني وترسيخ مفهوم المواطنة لدى كل فرد، وترجمة ذلك سلوكا وممارسة وعطاء وإنتاجا).
وحسب محاور الدراسة، نستطيع القول إن الدراسة بحاجة إلى آليات تنفيذية في واقع يشعر فيه أبناء الوطن بهويتهم الوطنية التي تلاشت بين الهويات الأخرى. ولابد ان تكون احدى تلك الآليات سد الأبواب على عوامل ساهمت في ضياع الهوية الوطنية، فالامر الذي لا خلاف عليه هو ان مواطني الدولة كلهم يحملون حبا يفوق حجم هذه الأرض، والأمر الآخر الذي لا نقبل نقاشا فيه هو ان مواطني الدولة يتحملون مسؤوليات مواطنتهم من خلال سلوكيات يقومون بها.
ومن خلال عطاء لم يدخروا منه شيئا، ومن خلال إنتاج يشهد الجميع على انه بسواعد احتملت ومازالت تحتمل من اجل عيني وطنها، لكن الأمر الذي يتطلب النقاش هو مسألة تغليب الهوية الوطنية على غيرها من الهويات، وترسيخ احترامها عند الطرف الآخر الذي لابد وان يدرك ان كثرته او غلبته في الدولة لا تعني مساسا بهوية محلية، ولا بمصالح قومية لأهل الوطن، وهذه المسألة في وجهة نظرنا تبقى هي الأهم. فالمواطن اليوم الذي لا نزايد على وطنيته، ولا نشكك في رسوخ هويته في أعماقه، لا يستطيع فعل شيء إزاء أكثر للحفاظ على هويته مهما بلغت درجة حبه وإنتاجه وعطائه لوطنه.
ما لم يستوعب ويدرك الآخر ممن لا ينتمون لهويته أولوية هذه الهوية. فالواقع يحكي عن افراد وجماعات من مختلف الجنسيات لا تكترث بمتطلبات الهوية الوطنية لأهل الدار بسبب اعتبارات أصبحت للأسف تدير مصالحهم، كاعتبار الانفتاح الاقتصادي، والانفتاح الحقوقي السياسي والعولمة مستقبلا تبعا لمتطلبات الاتفاقيات الدولية التي ربما تمكن الجنسيات الأخرى التي تقيم في الدولة شيئاً فشيئاً من كل شيء حتى الهوية بعد أن عبرت عن حقوقها وتمكنت في العمل والإقامة والثروة وتمكنت، الامر الذي يجعلنا نخشى غلبة هوية الجنسيات الأخرى على هوية الإماراتي في دولته.
اذا كان المواطنون كبارا وصغارا يحملون هم الهوية ويتباحثون سبل الحفاظ عليها فذلك واجب ومسؤولية لابد من عدم تأجيلها اكثر لأن القلق المشروع من خلل التركيبة السكانية وما ادى إليه من اضعاف للهوية، يجعلنا نشعر بقلق اكبر على الأجيال القادمة التي يبقى من حقها العيش في وطن تشعر بالانتماء له وتشعر بأنها وكل ما يمت لها بصلة من هوية ومصالح على رأس أولوياته.
