منذ عرف الإنسان الطباعة بدأ فصل جديد مثير من فصول تاريخ المعرفة. فأصبح هناك إمكانية لإنتاج عدد ضخم من النصوص المكتوبة لتتسع دائرة ما هو مكتوب على حساب ما هو شفاهي منطوق، وكان هذا المنطوق دائما عرضة للتحريف والتبديل زيادة وانتقاصا، كما كان عرضة لسوء الفهم بسبب غياب شكل ثابت للحرف، بحيث كانت عملية القراءة أحيانا تتحول إلى عملية تأويل وتفسير من حيث احتياج من يقرأ إلى أن يرجح بين حروف متشابهة.

وهكذا فإن اكتساب حروف الأبجدية شكلا ثابتا دقيقا جعل الذاكرة أقوى وأرسخ، وبالتالي عرفت البشرية للمرة الأولى فكرة تراكم المعارف وتزايدها، حتى إن البشرية وصلت إلى حد مضاعفة معارفها مرة كل خمس سنوات في نهاية القرن العشرين. لكن هذه الزيادة هي كثرة في «المعلومات» لم تقابلها كثرة في «الحقائق».

وقد تزامن التوسع في وسائل حفظ المعلومات ووسائط نقلها مع تقلص كبير في قدرة الناس على معرفة الحقائق التي تعني هنا شيئا أوسع وأعمق من المعلومات. وقد كانت العصور الأقدم من تاريخ البشرية عصور عزلة وندرة كبيرة في المعلومات مع هذا يعرف كثير من الناس - مثلا - ماذا قال يوليوس قيصر لصديقه بروتس عندما تلقى منه الطعنة الشهيرة، ويعرفون ما قال الفلكي الشهير جاليليو عندما حوكم أمام محكمة التفتيش، ويعرفون ما قاله الصحابة في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول... .وهكذا.

فقد كان هناك تقدير حقيقي للحقيقة، ولكن القدرة المفرطة على صنع «المعلومات المضللة» والانتشار الكبير للمنطق الميكيافيللي بين النخب السياسية في معظم أنحاء العالم، كل هذا وغيره أدى إلى «وفرة» حتى التخمة في المعلومات و«ندرة» حتى الجوع في الحقائق وعادت «السرية» لتصبح السلاح الأقوى في يد الحكومات لحجب الحقائق عن شعوبها، رغم كل ما يضج به الإعلام العالمي من حديث عن الشفافية والإتاحة و... .

ومن المفاجآت التي «قلبت على هذه المواجع» فيلم تسجيلي وثائقي بثته قبل أيام قناة الحرية الفضائية (كردستانية ناطقة بالعربية) يتناول دورا مفترضا لألمانيا في إشعال الثورة البلشفية (1917) والفيلم يتحدث بوضوح عن عملية تجنيد (بالمعنى الحرفي) للزعيم السوفييتي لينين لحساب مخابرات ألمانيا وأموال دفعت عدة مرات واستخدمت في الإنفاق على هذه الثورة التي غيرت وجه العالم حتى انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد اعتمد الفيلم - ضمن مصادر أخرى - على شهادة شهود عديدين. ووثائق رسمية عديدة.

والفيلم يرسم صورة جديدة تماما للعلاقات السوفييتية الألمانية، فالانسحاب الشهير لقيادة الثورة البلشفية من الحرب العالمية الثانية قبل نهايتها بقليل، لم يكن كما قيل لأنها صراع بين قوى إمبريالية لا يجوز لدولة تقدمية أن تتورط فيه، بل كان اتفاقا بين الزعيم السوفييتي لينين والسلطات الألمانية، وقد انسحب السوفييت منها وقدموا مع خروجهم تنازلات كبيرة غير مبررة للألمان لا يبررها إلا تعليمات واضحة من لينين بضرورة الانسحاب بـ «أي ثمن».

الملمح الثاني المهم بل الصادم أن معاهدة فرساي التي بموجبها وضعت قيود على تسلح ألمانيا وحجم جيشها لم تنتهك عندما قرر الزعيم النازي ذلك ومزقها علنا، بل تم انتهاكها قبل سنوات من وصول النازي إلى السلطة، وهو انتهاك حدث بشكل منظم عندما سمحت القيادة السوفيتية سراً بأن تفتح بلادها لتجنيد وتدريب وحدات بأكملها من الجيش الألماني بعيدا عن أعين الرقباء الذين كانوا يراقبون الأراضي الألمانية والمصانع الألمانية للتأكد من تطبيق مقررات فرساي، بينما القوة العسكرية الألمانية يجري «تسمينها» خارج الحدود.

ومن بين الحقائق التي بقيت مخفية طوال العقود الماضية حقيقة لها أهمية معرفية أكبر بكثير من أهميتها السياسية المباشرة لأنها تجيب عن سؤال طالما تمت الإجابة عنه بشكل «إعجازي» لإضفاء صورة مبالغ فيها على التجربة السوفييتية في التنمية. فمن المسلم به أن روسيا حتى ثورة 1917 كانت بلداً زراعياً متخلفاً، وكانت الثورة الصناعية بالأساس محصورة في القارة الأوروبية وأميركا.

وكانت ألمانيا مركزاً من أهم مراكز الصناعة في العالم، بل إن آلة الصناعة الألمانية كانت تتمتع بنجاح استثنائي قياسا بكل منافسيها. وقد عقد الروس والألمان اتفاقا قد يكون السبب الحقيقي في الإنجاز الصناعي الكبير الذي وضع الاتحاد السوفييتي على قائمة القوى الكبرى عالميا.

فلولا دعم سخي قدمه الألمان للاتحاد السوفييتي - مقابل الدور السوفييتي السري في إعادة بناء الجيش الألماني سراً في روسيا - لما كان بالإمكان تحقيق النجاح المذهل في المشروع الكبير «تصنيع روسيا»، أي إن الدعم الألماني كان السبب الحقيقي في نجاح خطط التنمية المخططة من أعلى الخاضعة في كل خطواتها كانت مجرد «حلم طوباوي» لقيادات الثورة حتى أمدهم الألمان بالخبرة الصناعية التي مكنتهم من تحقيق ما كانوا يبشرون الناس به.

وأهمية هذا الكشف أنه يدعو لإعادة النظر في الادعاء بأن الاشتراكية - أو الشيوعية - هي الشرط الموضوعي للتقدم، ويلقي ظلالا من الشك على مدى صحة هذا الادعاء، ومدى جدواه بالنسبة للراغبين في تصنيع بلادهم، المعجزة إذن هي بنت التكنولوجيا لا الأيديولوجيا. ومن أهم ما كشف عنه الفيلم أن انهيار الاتحاد السوفييتي أعقبته حقبة قصيرة من الانفراج شهدت رفع حجاب السرية عن بعض الوثائق السرية، كشف عن درجة البشاعة التي وصلت إليها الممارسات «الثورية التقدمية» الروسية، وهو ما تم التراجع عنه سريعا خوفا من العواقب.

وإذا صحت هذه «المعلومات»، وإذا استحقت وصف «الحقائق»، فإن هذا يدق جرس إنذار حقيقيا، ويفتح الباب لشكوك طالما تداولها مثقفون عرب عن ولاء هذا السياسي أو ذاك، وهو من الناحية التحليلية درس عملي في المنحى الخطير الذي يمكن أن تتخذه لعبة إغراق الناس بسيول من المعلومات الخالية من الحقائق، وفي المقابل إخفاء الحقائق عنهم.

بحيث لا يكون بإمكانهم أن يعرفوا على وجه القطع ما يجب أن يعرفوه حتى لا تتحول الحياة إلى عملية مضللة، ولا يكاد أحد يتأمل هذه التجارب حتى يشعر بأن إنسان القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يحاصره إحساس بأن الأجيال التي سبقته كانت أوفر حظا من الحقائق، وإن كانت أقل حظا من المعلومات.

كاتب مصري