الحوار بين الثقافات على أساس الاحترام المتبادل وتفهم كل منا للآخر هو الطريق الوحيد لتعزيز التفاهم الإنساني بين شعوب العالم حول القضايا الإنسانية الكبرى المشتركة، والتي تعنى كل إنسان باعتباره إنسان، مع الإدراك أن التفهم غير التفاهم، وأن التفاهم لا يعنى التخلي عن الذات والذوبان في الآخر، وأن الحوار لا يعني الاتفاق المسبق بين أطراف الحوار إذ لا يقوم الحوار إلا بين المختلفين سواء في القيم أو الثقافات أو السياسات، إنما يعنى أولا تبادل المعارف والمعلومات الصحيحة وتبديد الصور النمطية القديمة أو الخاطئة كل عن الآخر والاطلاع المباشر من كل طرف عن إجابة للسؤال.. كيف يفكر الآخر وما معايير تقييمه للقضايا الإنسانية.
والحوار بين الثقافات وبين السياسات هو السبيل للبحث عن الأرض المشتركة بما يحول دون العداء الناتج عن الجهل بثقافة الآخر أو عن التعصب المبني أيضاً على الجهل بقيم الثقافة وقيم الحوار، وهو في النهاية يمثل البديل الممكن للصراع بين الحضارات.
والحوارات الاستراتيجية بين الدول حول القضايا السياسية بين الدول تتيح أولا تحديد نقاط الخلاف ونقاط الاتفاق، والنقاط المتقاطعة، لتصل ثانيا إلى تبادل رؤية كل منهما للآخر، لتسعى ثالثا لتقليل مساحات الخلاف وتنمية مساحات الاتفاق وتحقيق التفهم وصولا إلى تفاهم أكبر، مما يساهم في منع تحول الخلاف إلى عداء والعداء إلى حروب، لكن أهم وأنجح أنواع الحوارات هي الحوارات الموضوعية الحرة في جميع المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والإعلامية، والتي تؤسس لها مراكز الأبحاث غير الحكومية والقليل منها حر أو مستقل، أو شخصيات عالمية فاعلة لها القدر الكبير من المصداقية والثقة والاحترام والمعروف منها نادر، وهذا وحده يجعل ما يقومون به مؤثرا في مجتمعاتهم القومية أو العالمية التي لا تنطلق من أجندات سياسية ملزمة لكل طرف، ولا من أهداف سياسية أو استراتيجية تسعى لتحقيقها، بغض النظر إن كانت تتفق مع صحيح القيم الإنسانية المشتركة أم لا.
وهناك في هذا الصدد خاصة من عرب المهجر في أميركا وفى أوروبا تجارب عربية ناجحة ومؤثرة حققت رصيدا من الإنجاز يستحق الاحترام والدعم والمشاركة، ليس فقط بالقدرة الذاتية على الاستمرارفى الوجود بل بالأجندة المبدئية المصرة على الاستمرار في التأثير.
من تلك التجارب المضيئة والمحترمة كانت تجربة المفكر العربي الكبير الدكتور إدوارد سعيد الذي مثل في ذاته الأكاديمية والفكرية منبرا للحوار الذي حمل فيه دائما هموم أمته والظلم الأميركي الذي يحيط بقضيتها المركزية في فلسطين.
ومبادرة الكاتب العربي المعروف الدكتور صبحي غندور المقيم في الولايات المتحدة بتأسيس مجلة بالعربية والانجليزية في مثل هذا الشهر منذ 19 عاما لتكون منبرا للحوار بين العرب المقيمين في المهجر وبين الرأي العام الأميركي، لكن الأكثر قيمة في الموضوع أن المجلة الوليدة سرعان ما كبرت لتلد مولودا أكبر هو «مركز الحوار العربي الأميركي« في واشنطن الذي أقام أكثر من 700 ندوة حوارية كبرى حول القضايا المختلفة، وأسس موقعا فعالا ومؤثرا على الانترنت، بينما المجلة الصغيرة أصبحت بنت العشرين اليوم.
ويقول صاحب تلك المبادرة المحترمة الدكتور صبحي غندور عن هذه التجربة الناجحة. .إن من تابع «الحوار« حين صدورها، يدرك مدى أهميتها آنذاك. فرغم أهمية واشنطن السياسية والإعلامية، ورغم وجود المراكز الرئيسية للجمعيات العربية الأميركية وللبعثات الدبلوماسية العربية، إضافة للعديد من الأكاديميين والمهنيين ورجال الأعمال العرب.. رغم هذا، فإن العاصمة الأميركية كانت خالية من أي نشاط إعلامي عربي مستقل حينها.
وتركز «الحوار« فكريا على البعدين العروبي والحضاري وعلى أهمية تعزيز الهوية الثقافية والحضارية للإنسان العربي أينما كان. وحملت «الحوار« دعوة عربية توحيدية تدعو للتكامل بين العرب بدلاً من التفرق، وإلى صون التراث الحضاري العربي الإسلامي والاعتزاز بالانتماء العروبي بدلاً من الفراغ والضياع الثقافي والحضاري، وهذا هو المطلوب من كل حوار عربي غربي.