زيارة الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، إلى المنطقة؛ واعتزامه لقاء مسؤولين وقياديين فلسطينيين؛ أثارت ضجة كبيرة، لا تتناسب مع حجمها. خاصة لقاءه المرتقب مع، خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، الموجود في دمشق. اللغط الذي دار بخصوصها، كان مصدره الاعتراض الإسرائيلي عليها. تل أبيب عملت منها قصة - مشكلة، لأنها تريد من الشخصيات الأميركية، كائنة من كانت، التشاور معها مسبقاً؛ بل استئذانها وأخذ موافقتها سلفاً؛ بشأن جدول أعمال زياراتهم إلى المنطقة، والقيادات التي ينوون عقد اجتماعات معها.

والموافقة لها شروطها، المفصّلة حسب المواصفات، ودفتر الشروط الموضوع من جانبها. بمعنى آخر، إن إسرائيل اعتادت على استرهان الزيارات، خاصة للأراضي الفلسطينية، وجعل وضع دمغة رضاها عليها، بمثابة معبر أو تأشيرة دخول؛ توفر مرورها.

في هذه الممارسة، استقوت إسرائيل دوماً باللوبي الإسرائيلي في واشنطن. عملت منه ذراعها الضاربة، التي تعاقب الذين يتمردون على قائمة الممنوعات، المعمول بها. بل الانتقام منهم. وحصل أن دفع البعض ثمن عصيانه؛ مثل السناتور تشارلز بيرسي، والنائب بول فندلي؛ في الثمانينات، الماضية. لكن الصحيح والحقيقة أيضاً؛ أن الرضوخ والتماهي، مع رغبة إسرائيل، بل الطاعة العمياء لها؛ لدى أهل السياسة في الولايات المتحدة الأميركية، في غالبية الأحيان؛ عزّز من تجرؤ إسرائيل، على التمادي في لعب دور المصفاة النهائية للسياسات واللقاءات واحتمالات الحوار، الأميركية مع بلدان المنطقة، والمسؤولين فيها. وبالتحديد عندما يكون هؤلاء في موقع السلطة، قبل مغادرتها.

آخر محطات هذا التجرؤ، كان قبل يومين، عندما وصل كارتر إلى إسرائيل؛ في زيارة تشمل أكثر من عاصمة، في المنطقة . لأنه ينوي عقد لقاء مع مشعل في دمشق قامت قيامة إسرائيل ولم تقعد. الذريعة، كالعادة، جاهزة: إن حماس حركة «إرهابية»، في قاموسها؛ ولا يجوز بالتالي التلاقي مع قيادتها ولا عناصرها. المسؤولون، ما عدا بيريس، رفضوا الاجتماع معه. بل رفضوا تقديم مساعدة أمنية لحراسته.

وهو بالمناسبة، خرق لاتفاقات أمنية بين أميركا وإسرائيل. هذه الأخيرة تطبق شروطها. حتى ولو مع رئيس أميركي سابق. وبالذات هذا الرئيس الذي عقدت إسرائيل، في عهده، أول معاهدة سلام مع بلد عربي. هي تراعي ممنوعاتها . حتى ولو كان في ذلك ما يشبه الإهانة إلى من كان رئيساً لأميركا؛ وليّة نعمتها والمتمتعة بحماية مظلتها، باستمرار.

حسناً إن الرئيس كارتر، بقي على موقفه. لم يتزحزح عن قراره. هو يدرك كم هي طويلة اليد الإسرائيلية المتطاولة على القرار الأميركي. كما حسبنا بأنه يدرك أيضا مدى التراخي، والاندفاع، الأميركي في الاستجابة لأجندة إسرائيل. واشنطن سبق وتحاورت مع أعتى خصومها وأعدائها: من موسكو السوفييتية، إلى الصين الماوية، إلى كوريا الشمالية؛ وحتى الجلوس على الطاولة مع طهران، ولو على مستوى سفراء. لكنها لا تفعل ذلك مع جهات عربية، لأن إسرائيل وضعت عليها «فيتو». متى ستكسره؟