عندما أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإنشاء هيئة وطنية دائمة لمتابعة ملف التركيبة السكانية في الدولة، والتحقق من إنجاز وتنفيذ السياسات الخاصة بالموضوع، جاءت ردود الأفعال كثيرة وأصبحت الآمال أكبر في القضية المؤرقة بالنسبة للمواطنين، لأن الآمال اليوم تتعلق بصاحب رؤية وإنجازات كانت في عداد المستحيل لكنها تحققت في أرض الإمارات.

وهو الذي يقودهم إلى أمل في تحسين التركيبة لارتباطها بهوية وطنية، استحقاقات، واجبات، ولأن المواطنين أصبحوا يخشون تفاقم تداعيات القضية التي جعلتهم أقلية في دولتهم مقارنة بالجنسيات الأخرى. ما يهمنا في إنشاء هذه الهيئة الوطنية أن تكون متابعتها لقضية التركيبة السكانية حازمة ومكثفة لتتمكن من وضع أيديها على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تفاقم هذه المشكلة خلال السنوات الماضية.

وألا تغض الطرف عن هذه الأسباب حتى وان كان في ذلك تضييع مصالح اقتصادية يمكن تأجيل تحصيلها إلى وقت آخر نطمئن فيه على مستقبل الأجيال القادمة. فوضع الأيدي على هذه الأسباب كفيل بوضع حد لاتساع رقعة الخلل خاصة إن كنا نتحدث عن استراتيجيات تنموية تشهدها الدولة، أسهمت في تغيير وتشكيل سوق العمل وطبيعة المجتمع، وهو ما أدى إلى فقدان هوية وطنية وتوازن في التركيبة السكانية لم تعد تحتسب لصالح مواطني الدولة.

صانع القرار، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، جعل هذه القضية أولوية لإيمانه بأنها تحدد مصير الأجيال القادمة وقال: «إن مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطان ارتباطاً جذرياً ومصيرياً مع هذه القضية التي لابد لنا بتضافر كل الجهود والعمل كفريق واحد وتحديد الرؤية من أجل إيجاد آليات عملية يمكن من خلالها التوصل إلى تصور مقبول وواضح لهذه المسألة التي تحدد بالنهاية مستقبل أجيالنا القادمة».

الأمر الذي يعني تأكيد سموه على أن القضية مصيرية، وستحكم مستقبل أبنائنا وأجيالنا القادمة، المستقبل الذي ربما يعيشه الأبناء بتصور نضعه نحن أهل البلد من الآن ونطمئن فيه عليهم دون مخاوف أو قلق، أو بتصور آخر يفرضه واقع آخر يرسمه من لا تهمهم مصالح هذا الجيل فيحددون من خلاله مصيراً مأساوياً لجيل ربما لا يجد لنفسه موطئ قدم يشعر فيه بهويته ووطنيته، ولا يستطيع أن يحظى فيه بحقوقه كاملة كأي مواطن في دولة أخرى.

ويؤكد تصريح سموه عن خلل التركيبة السكانية على أهمية تضافر الجهود بين الجميع في الدولة ليعملوا كفريق «واحد» ليضمنوا تحقيق الأهداف المرجوة، وليس كما هو الحال الآن عندما نجد جهة تسعى من خلال آليات تضعها للحد من خلل التركيبة السكانية، في حين تسهم وبقوة جهات أخرى غيرها في زيادة هذا الخلل وتداعياته، الأمر الذي يجعل المواطن في حيرة من تضارب الآليات واختلاف أهدافها التي تأتي في النهاية على حسابه رغم أن الوطن واحد والمصالح بالنسبة للمواطنين واحدة لا تستدعي وجود اختلاف.

إن إعلان مجلس الوزراء في الدولة عن تنفيذ ستة وستين مبادرة تهدف إلى تحسين مسألة التركيبة السكانية يجعل الأنظار كلها تتطلع إلى تنفيذ هذه المبادرات في أسرع وقت لكيلا ينتهي الأمر بها في أروقة وأدراج توضع فيها فتضيع في عداد الأوراق وتضيع مصالح مواطنين لم تعد تحتمل فقدان وخسارة المزيد منها. تنفيذ الست وستين مبادرة في أكثر من قطاع على أرض الواقع هو كل ما نتمناه.

فنحن على الرغم من قلقنا بشأن قضية التركيبة إلا أننا ندرك أن إصلاح هذا الخلل بالكامل أمر مستحيل لكن تحسينه بقدر يمكننا من الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة أمر ممكن ومطلوب لكي لا تفقد الأجيال أكثر مما فقده أبناء اليوم، فهذه أمانة نتحملها جميعاً بلا استثناء.

maysaghadeer@yahoo.com