يتربع روبرت موغابي على سدة السلطة منذ عام 1980 بعد أن خاضت زيمبابوي حرب العصابات ضد الاستعمار البريطاني لمدة تزيد على احد عشر عاما، وكان معلم المدرسة أبرز قيادي في تلك الحركة الوطنية التي خاضت الحرب يومها.
وما ان أعلن الانجليز انسحابهم وترك الأقلية البيضاء الثرية هناك لقدرها فإنها لم تكن تعلم ان الأيام الخوالي تخبئ لهم نتائج مزرية، وبأنهم سيتعرضون للطرد أذلاء دون حقوق، بل سيتعرضون للعنف المشرعة أبوابه رسميا، وكأنما السلطات الجديدة بعد سنوات ستضع فشل سياستها الزراعية والاقتصادية على عنق المزارعين البيض، الذين يحكمون سيطرتهم على ثلث الأراضي الزراعية الثرية من حجم البلاد.
أكثر من 27 سنة يحكمها موغابي بقبضته، فقد تحول العقد الأول من سياسته إلى نظام يحكمه الحزب الواحد، فكان مرجعية أحد بنود دستوره أن تكون الماركسية ـ اللينينية مصدرا والاشتراكية نظاما. في تلك الحقبة كان العالم ما زال منقسما والقارة الإفريقية وغيرها من الدول النامية تجد في المعسكر الاشتراكي سندا لاقتصادها وتوجهاتها وداعما لنظامها السياسي في الميدان العالمي، فلم يكن يرتعش أو يصاب بنكسات عميقة في وضعه الداخلي وعزلته السياسية.
من هنا نستطيع أن نفهم لماذا صار ذلك النظام من أفضل الأنظمة الإفريقية في حقل التعليم إذ أوضحت الإحصائيات الرسمية بأنه يزيد على 90% من المتعلمين سكانيا، والذين سيكونون لاحقا جيل الشباب المتأزم والمتمرد، حيث بلغت البطالة 80% في وضع اقتصادي مصاب بالتضخم الذي لم يبلغه أي نظام سياسي، وتحولت عملته ورقة لا قيمة لها.
حاول موغابي بتسلطه وحزبه (زانو) الأكثر تعنتا مواصلة نهجه السياسي.
وإن كان عام 1991 تم تغيير المادة الدستورية التي نادت بمرجعية الاشتراكية والماركسية اللينينية بعد أن كان يتهاوى أمامه المعسكر الشرقي برمته، يومها صارت زيمبابوي وموغابي نظاما لا سند له في العالم النامي ولا في بيئة سياسية متوازنة، فتراجعت منظمات قارية وإقليمية بعد انهيار «الأب الكبير» فكيف يحاول موغابي التكيف مع المتغيرات العالمية؟.
حاول العودة إلى التعددية الحزبية، ولكن النظام ظل يمارس من الناحية العملية سياسة ونزعة النظام الشمولي السابق، كما ظلت مهيمنة على أجهزة الحكم في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فاستشرى الفساد وقبضت البيروقراطية الحزبية على الحكم قبضة بوليسية، وإن بدت واجهة الحياة البرلمانية ظاهرة سياسية، ولكن علة نظام موغابي وعلته شخصيا بأنه لم يستطع «التكيف مع المتغيرات الجديدة » في وقت شهدت جارته الكبيرة جنوب افريقيا مرحلة صعود السود إلى السلطة وإلغاء نظام الفصل العنصري.
لكن قائدا من طراز نيلسون مانديلا لحظتها استوعب بعمق الحقبة العالمية الجديدة بأنه لا يمكن معاداتها والإعلان عن توجهات فكرية وسياسية مغايرة لمجرد أنه بات يحكم البلاد محاولا الانتقام والثأر من أعداء الأمس محاولا فهم العملية السياسية الجديدة القائمة على العيش المشترك بين البيض والسود كأبناء وطن واحد، فتمت المصالحة على أسس واضحة بين الأقلية البيضاء والأكثرية السوداء الحاكمة.
والتي كانت تعيش وضعا مقلوبا في السابق! ولكن ضرورة التعايش الاجتماعي والحفاظ على السلم الأهلي والتنمية فتح بابا مختلفا لانطلاقة اقتصاد وواقع جنوب افريقيا الجديدة التي رغبت الخروج من عنق الزجاجة الصعب لأغلبية فقيرة وواقع اجتماعي بائس.
لم يمر عقد على حكم موغابي، والذي تأزم بعمق اقتصادي فكانت مخارج الأزمة تلك التوجهات الضاغطة في الحزب، والتي باركها وحرّض عليها موغابي نفسه بالتوجه نحو خيارات الاستحواذ قسرا على ممتلكات المزارعين البيض، والذين يقدرون بأربعمائة مزارع أبيض يملكون ثلث الأراضي الزراعية في البلاد، وقد لعب المحاربون القدماء في زيمبابوي حملتهم العنيفة في إرهاب وتشريد تلك الأقلية بقوة السلاح والتهديد والانتهاكات.
فكانت سنة 2000 من سنوات الرعب لكل البيض في القارة، فقد تطايرت حمى تلك الحالة بين الفقراء السود، والذين وجدوا حلا لمشاكلهم بطرد الأثرياء البيض، متناسين أنهم لا يمكنهم إدارة اقتصاد زراعي مرتبط بالخارج وعالم من الإدارة والتسويق والتوزيع وكل أشكال العلاقات الاقتصادية المعقدة.
تلك الحملة العدوانية دفعت منظومة الكومنولث لتجميد عضوية زيمبابوي نتيجة سياستها العنصرية إزاء أقليات بيضاء من المزارعين واعتبرت تلك العملية اعتداء صارخا على حقوق الملكية بتلك السياسة الرعناء دخل موغابي قفص العزلة وتعمقت أزمته بالكامل، وكلما دخل أزمة تعنت في حبه وسيطرته على سدة الحكم كمحارب من المحاربين القدماء المعادين للاستعمار بكل أوجهه.
في تلك السنوات الثماني نمت الحركة الديمقراطية من اجل التغيير، وباتت تجمع حولها الناس الذين بدؤوا يشعرون بالوضع السياسي والاقتصادي السيئ للغاية، وشكّل الجيل المتعلم طليعة النشطاء بين السكان كثمرة التعليم الطويل لسياسة النظام الناجحة وشوكة ارتدت على نظام لم يعد بإمكانه القدرة على التجدد فكان لابد من التغيير.
لقد كانت التجارب النيابية لديمقراطية مشوهة ساهمت بخسارة الحركة الديمقراطية من اجل التغيير في انتخابات سابقة تم التشكيك في نزاهتها، ولكن السنوات مضت سريعة فكان مارس عام 2008 حلبة جديدة للمواجهة والامتحان الديمقراطي في وضع عالمي أكثر اختلافا، فحاول موغابي بعد الفرز واكتشاف هزيمته تعطيل ما تبقى من الفرز لصناديق الانتخاب القادمة من مراكز مختلفة لأكثر من أسبوع بحجة صعوبة المواصلات والتي لم تكن حجته عندما انتصر سابقا.
فبدا واضحا ان التعطيل يستهدف التلاعب بالأصوات والضغط على سكان الأرياف وتوظيف الفئات الأخرى في عملية التصويت، والأسوأ أن القضاء تلاعب باحتجاجات الحركة الديمقراطية وتململ في القبول بإعلان انتصارهم، وبذلك تدخل زيمبابوي وضعا خطيرا أشبه بوضع كينيا ساعيا موغابي لحصر الأزمة إقليميا بالابتعاد عن تدويلها بعد أن تعالت الأصوات الداخلية والعالمية بضرورة تنحي موغابي العجوز والمتسلط .
لهذا تنادت الدول الخمس في رابطة دول أفريقيا الجنوبية، كزامبيا وبوتسوانا موزامبيق وجنوب أفريقيا والتي تتوسطهم جميعا زيمبابوي. وفي الوقت ذاته تحرك مناديا زعيم المعارضة مورغان تسفانكاراي بأهمية تنحي موغابي مناشدا تلك المنظومة الإقليمية بالضغط على موغابي للتنحي، وتعتبر جنوب افريقيا كأخ اكبر لاعبا أساسيا في ذلك الضغط وقد حذرت دول الجوار من انتشار عدوى العنف والاضطرابات من تفشيها في المنطقة.
وإذا لم يتعلم موغابي من تجربة كينيا فإنه يدخل البلاد في حرب أهلية وعنف لا يعرف أحد مداه ومن الطبيعي أن يتشبث صقور النظام بمواقعهم وامتيازاتهم، ولن يتركوا حياة الفساد إلا بعد شعورهم بخسارة أكيدة ومحاسبات شديدة. فهل تنفع صلوات الأب ديسموند توتو في إبعاد البلاد عن شبح العنف الدموي؟ .
كاتب بحريني