شاءت الصدفة أن يكون موعد لقائي مع بعض الأصدقاء الفرنسيين العاملين في حقل الكتابة، بناءً على موعد مسبق، يوم مرور «الشعلة الأولمبية» في باريس. لم استطع الوصول إلى المكان المحدد فشوارع العاصمة الفرنسية كانت مغلقة وسيارات الشرطة ورجالها بالمئات في جميع «المفاصل». كانت «حالة استنفار» لم أشهد مثلها خلال الثلاثين عاماً التي كان قدري قد شاء لي العيش خلالها في هذه المدينة.
لقد رأيت بـ «أم عيني» كيف قوبل الرياضيون الفرنسيون الذين حملوا الشعلة بـ «الصفير» و«صرخات الاحتجاج والتحقير». بل كنت شاهداً على بعض «المعارك» الصغيرة بين رجال الشرطة وأولئك الذين حاولوا «الانقضاض» على الشعلة بغية «إطفائها».
وعرفت من خلال النشرة الإخبارية المتلفزة مساءً أن «الشعلة الأولمبية» لم تكمل طريقها المرسوم، وأُلغي احتفال كان مقرراً «مع بعض الكلمات» أمام دار البلدية، وأنها أكملت طريقها «المختصر» داخل إحدى حافلات الشرطة، وتفاصيل أخرى كثيرة تصب كلها في «خانة» الاحتجاج من قبل مؤيدي حق شعب التيبت بتقرير مصيره والتنديد بالقمع الصيني.
فلماذا التيبت؟ ولماذا ليس حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره؟ وحق الشعب العراقي بتقرير مصيره؟ ولماذا غابت مظاهر التنديد بالقمع الإسرائيلي في فلسطين؟ وبالاحتلال الأميركي للعراق؟ ولماذا لم يتم إغلاق شارع واحد، زقاق صغير في أية عاصمة ديمقراطية حيال حالات أخطر وأفدح ولا تقل عدالة عن قضية التيبت؟ أسئلة لم تخطر لي وحدي بالتأكيد، مع أنها خارج السياق.
فلماذا التيبت إذن؟ ولماذا هذا القدر من الاحتجاج «الجماهيري» ضد مرور الشعلة الأولمبية؟ ولماذا موجة التهديدات من قبل القادة الغربيين بمقاطعة الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية يوم الثامن من شهر أغسطس المقبل؟
حسب «التقاليد الأولمبية» انطلقت الشعلة يوم 24 مارس الماضي من المهد التاريخي لها في اليونان ليتم نقلها بعدها إلى بكين كي تبدأ منها «رحلتها» عبر العالم للتأكيد على «كونية» الألعاب. ورغم رسالتها والرمز الذي تحمله لاقت موجة احتجاج عارمة في لندن وباريس ولوس انجلوس وغيرها.
للوهلة الأولى يبدو أن هناك خللاً. فالأزمة في التيبت ليست جديدة وعمرها يعود إلى عقود، لكنها انفجرت بـ «الصدفة» مع بداية الموسم الأولمبي. وأصبحت هذه المنطقة النائية التي يقال عنها انها لا تمتلك سوى «الرهبان والجبال» تحتل اليوم صدارة الأخبار في جميع وسائل الإعلام العالمية. والنشرات الإخبارية المتلفزة في الغرب تبدأ عامة في الأيام الأخيرة بالحديث عن التيبت وعن نضالات «الدلاي لاما المشروعة».
لكن المسألة «أكثر جديّة» مما يبدو للوهلة الأولى، والرهانات تتجاوز «حقوق الإنسان» التي «يتم وضعها على الرف» عندما تبدأ مصالح الدول. وبالنسبة للتيبت هناك عدة اعتبارات لها وزنها في رؤية الدول لمصالحها وبالتالي لتوجهها السياسي.
ـ التيبت موجودة في جبال الهمالايا العالية مما جعل البعض يطلق عليها تسمية «سطح العالم»، وهي بالتالي تمتلك «إطلالة استراتيجية» على آسيا كلها وهذا يجعلها ذات أهمية استراتيجية وعسكرية استثنائية بالنسبة للصين. ولا حاجة للمرء أن يكون خبيراً استراتيجياً كي يفهم أن الجبال العالية كانت دائماً مواقع «حاسمة» لأمن المحيطين بها. هذا صحيح في الهملايا وكشمير والجولان. للتذكير فقط كانت التيبت مهمة جداً من وجهة النظر هذه قديماً بالنسبة للانجليز ـ في زمن إمبراطوريتهم ـ والروس والصينيين.
ـ صحيح أن التيبت لا تمتلك موارد الطاقة من بترول وغاز اللذين تبحث عنهما الصين في كل أرجاء الأرض. ولم يثبت، حتى الآن، أن جوفها يمتلك سوى القليل من المعادن. إنها بهذا المعنى «فقيرة» بالقياس إلى العديد من جمهوريات آسيا الوسطى القريبة. ولكن التيبت تمتلك ثروة «استراتيجية» مهمة راهنة، وخاصة مستقبلية، إنها «الذهب الأزرق»، أي المياه، إذ تنطلق من أراضيها عدّة أنهار باتجاه الصين وجنوب آسيا.
ـ يمكن للتيبت «المستقلة» أن تشكل مصدر تهديد للصين من قبل الهند، ولكن أيضاً من قبل الغرب. «الدلاي لاما» يدرك، بحسه «السياسي»، وفيما هو أبعد من تعاليم «البوذية»، هذه المخاوف الصينية. هذا ما جعله يؤكد دائماً أنه يريد حلاً «داخل الإطار الصيني».
وكان قد أكّد ذلك في طوكيو يوم 10 أبريل الجاري عندما قال: «إن الصينيين جديرون باستقبال الألعاب»، هذا قبل أن يضيف: «فيما يخص مستقبل التيبت، أنا مصمم على البحث عنه في إطار الصين». «الدلاي لاما» ينطلق من الواقع، ويعرف أن السياسة هي «فن الممكن».
ـ تنظر الصين إلى التيبت كمسألة ذات «طابع مبدئي»، وبالتالي تتعلق مباشرة بمفهوم «السيادة الوطنية». إنها باختصار تعتبرها «جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني» ولا يمكنها أن تقبل أي «تدخل خارجي في شؤونها الداخلية». تجدر الإشارة إلى أن رأي السواد الأعظم من المعارضين الصينيين للنظام الحالي لا يختلف، بشأن «التيبت»، عن رأي حكومتهم.
ـ موازين القوى العالمية نفسها قد تغيرت. ولم تعد الصين هي ذلك التلميذ الذي «يرتجف» أمام معلّميه. الصين شبّت... كبرت... صلب عودها. أصبحت قوة كبرى، قوة عظمى. باختصار لم تعد تقبل أن «يلقي عليها الجميع الدروس» عن حقوق الشعوب والأقليات والديمقراطية. ولم تعد تتردد في أن تتطلب من الآخرين أن «يكنسوا أمام عتباتهم» أولاً، ثم يدلون بآرائهم حول سواهم.
ـ المحتجون على مرور الشعلة الأولمبية يتم تقديمهم في الغرب عامة كمدافعين عن حقوق الإنسان. لكن «الرسالة» وصلت معكوسة إلى الصين التي قدمتهم على أنهم مجموعة من «المتوحشين» و«عديمي التربية والأخلاق».
الصورة «البارزة» اليوم تدل إجمالاً على احتجاجات ومظاهرات وشوارع مغلقة، وغوردون براون وانجيلا ميركل «يرجحان» عدم حضور الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية. وأوباما وهيلاري كلينتون يطالبان الرئيس بوش بعدم الحضور أيضاً.
أما الرئيس ساركوزي فينتظر تحديد موقفه بعد ترأس فرنسا للاتحاد الأوروبي اعتباراً من مطلع شهر يوليو المقبل. برلين «النازية» نظّمت الألعاب الأولمبية لعام 1936 وموسكو «الشيوعية» نظمتها عام 1980... كانت الرياضة، إلى حد ما، فوق «ألعاب» السياسة... لكن ها هي السياسة اليوم في «قلب» الرياضة.
كاتب سوري