الفقر والجوع والبطالة هي منبع الشرور كلها، ومع توالي الأزمات الاقتصادية العالمية بآثارها الاجتماعية الوخيمة بسبب سوء السياسات، وتصاعد موجات ارتفاع الأسعار في معظم السلع المعيشية وخاصة الغذائية في معظم الأسواق بما فوق طاقة الفقراء ومحدودي الدخل، بات الأمر خطيراً ويهدد التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي على مستوى المجتمعات الوطنية والإقليمية والعالمية.
مما يتطلب من المنظمات الاقتصادية العالمية ضرورة إعادة تقويم نتائج سياسات العولمة الاقتصادية وما أدت إليه من آثار اجتماعية سلبية خطيرة، خصوصاً على فقراء النصف الجنوبي وعلى الطبقة الفقيرة في النصف الشمالي من العالم.
ولأن الأزمة الغذائية في الوطن العربي التي يترجمها الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية ليست في الموارد الطبيعية، ولا بسبب النمو السكاني أو العجز المالي، وإنما الأزمة في جوهرها بالدرجة الأولى نتيجة لفشل السياسات الاقتصادية، وتقصير في الاهتمام بالتنمية الزراعية، وسوء استغلال لما هو متاح من موارد طبيعية وبشرية ومالية عربية.
وهو ما يتصل بأهمية تفعيل استراتيجية عربية متكاملة للتنمية، وطموحة للبحث العلمي وعلمية وعملية لتوفير الأمن الغذائي العربي، والمصادر البديلة للطاقة، وزيادة محطات تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية لزراعة مزيد من الأراضي الصحراوية. فقد دعوت بالأمس إلى مراجعة عربية للسياسات الاقتصادية العولمية السائدة والتي سببت كل هذه الإثارة الاجتماعية المدمرة، ووضع سياسات تنموية إنتاجية وطنية جديدة، توجه الاستثمارات العربية إلى الأسواق العربية، في مجالات الإنتاج الغذائي أولاً.
وذلك بالتوسع في المشروعات الإقليمية المتكاملة الزراعية والصناعية القائمة عليها، ذات الأبعاد الاجتماعية التي تستهدف تحقيق الأمن الغذائي، على غرار التكامل الثلاثي في المشروع الإماراتي المصري السوداني لزراعة 6 ملايين فدان بالقمح والأرز والذرة، وذلك لتخفيف أعباء وتكاليف المعيشة على المواطنين العرب، ولإبعاد شبح الجوع المخيف، ومحاصرة مشكلة الفقر، وحل مشكلات البطالة، وفتح أبواب الأمل لمستقبل أجيال شابة محبطة.
إن المطلوب الآن وضع سياسات تنموية إنتاجية عربية بفلسفات جديدة عاقلة تسعى لدفع الأضرار الإنسانية قبل كسب المنافع المادية، وبقواعد عادلة في توزيع الثروة، مدفوعة بغايات إنسانية اجتماعية واسعة الأفق لا بفلسفات مادية ربحية ضيقة الأفق لقلة على حساب الغالبية الشعبية.
ومدعومة بتخطيط علمي سليم للتنمية الوطنية، ووقف الاستمرار في السياسات الاقتصادية السائدة المدمرة التي سمحت بالتوحش الرأسمالي للدول الصناعية الكبرى في الأسواق المفتوحة بغير حدود وبغير ضوابط اجتماعية باسم العولمة.
إن توالي الأزمات، وتفاقم الأزمات التي تمس في الصميم حياة الإنسان وكرامة الإنسان، والتي تتعدد أسبابها ما بين الطبيعي والبشري، تبقى حلولها في يد البشر أنفسهم، وذلك إذا زادوا من إنتاجهم وقللوا من استهلاكهم، وإذا تكاملت الثروات البشرية والمالية والطبيعية، في مشروعات تعاونية استثمارية إنتاجية على المستوى الوطني، وتكاملية على المستوى العربي والإقليمي، مشروعات زراعية وصناعية غذائية عملاقة تجعل العرض الغذائي أكبر من الطلب.
وإذا ترسخت العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتوقف استغلال الإنسان لأخيه الإنسان بعدالة توزيع الثروة وعدالة توزيع السلطة، وبثقافة إنسانية لا مادية بأن يعامل الإنسان أخيه الإنسان بما يحب أن يعامله به كل إنسان.
إن أزمة الغلاء والغذاء التي تهدد بتفاقم مشكلات الفقر والجوع في العالم تحذر الجميع من الخطر الذي يواجه الجميع ويجب أن يجبرهم على التنسيق والتعاون والتكامل لوقف انزلاق الاقتصاد العالمي إلى الانهيار، وإبطال قنابل الأزمات الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية المفتعلة والموقوتة من الانفجار.