عوّدتنا التجارب بأن اختلاف السياسيين في طريقة رؤيتهم للأمور هو ليس شيئا غريبا أبدا، لأن ذلك قد أصبح من السمات الملازمة للعمل السياسي في كافة أرجاء المعمورة، بل ربما رمزا رئيسيا من رموز الحياة الديمقراطية. لكن أن يختلف المؤرخون في كيفية تقييم المفاصل التاريخية الحساسة، فهذا أمر يدعو للتفكير والتأمل لأنه يعكس شرخا كبيرا في التوجه الأكاديمي السليم، وخللا خطيرا في كيفية تسخير البحوث والدراسات الجدّية لخدمة مصالح البشرية جمعاء.
الموضوع طفا على سطح الأحداث مؤخرا من خلال النقاش المستعر في أوروبا بخصوص ما يعرف بظاهرة الشمولية التي ميّزت بعض الإيديولوجيات الفكرية التي سيطرت على أوروبا في مراحل متفاوتة، كالنازية والشيوعية تحديدا، حيث يتركز الخلاف في الوقت الحاضر حول كيفية تصنيف هاتين الإيديولوجيتين وفيما إذا كان من المنطق والأمانة الأكاديمية وضعهما في خانة واحدة مثلما يصر البعض، أو التعامل معهما انطلاقا من تجربتيهما المنفصلتين كما ينادي آخرون.
ولعلّ الفرادة في ما نلحظه في خضم الحوار القائم هو ذلك الانقسام الواضح الذي تعيشه الساحة الأوروبية حيال هذا التصنيف، باعتبار أنه لم يعد شأنا أكاديميا تأريخيا فقط، بل بات يشكل حسب رأي البعض مادة خلافية بارزة ليس بين الأعضاء فحسب، بل أيضا مع روسيا، وهو ما أجبر الاتحاد الأوروبي على بذل جهود جبارة لعدم إثارة ذلك البلد أو تأجيج الخلاف أكثر من ذلك.
لماذا روسيا تحديدا؟ لأنها تُعتبر بالنسبة لكثير من المؤرخين( في وسط أوروبا على الأقل) على أنها وريثة تاريخ طويل من التجربة الشيوعية التي ألقت بظلالها على المحيط الإقليمي تحديدا والتطور العالمي في إطاره الشامل، وكذلك لأنها كانت دائما المحور الأبرز المتحكّم في التحولات الثورية الجذرية التي انتقلت تدريجيا من الداخل الروسي الى المحيط الأوسع، مترافقة مع كثير من الدماء والمآسي التي لا يزال المؤرخون يختلفون حتى في طريقة وصفها .
ويبدو لي في واقع الأمر، بأن الدروس والعبر التي يجب استخلاصها من الحوار القائم حاليا، والذي يحاول الاتحاد الأوروبي إبقاءه على وتيرة منخفضة قدر الإمكان، تتمثل في طبيعة الانقسام القائم، ونوعية الدول التي تكرسه منطلقة من تجارب ذاتية مليئة بالمعاناة، بحيث نرى أن معظم الدول التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي مؤخرا وهي في الغالب دولا شيوعية سابقة، تصر على وضع النظرية الشيوعية ضمن خانة المتهم الذي يستحق الإدانة والعقاب .
في حين تحاول دول الغرب (القديمة ) تغليب ظاهرة الحوار الأكاديمي السليم البعيد كليا عمّا تصفه بالتعصّب الضيق لبعض المؤرخين الجدد، ممّن تم تنصيبهم في مراكزهم بعد التحولات الثورية التي أطاحت بالأنظمة الشيوعية السابقة، باعتبار أن هؤلاء ينطلقون في غالب الأحيان من مبادئ سياسية يؤمنون بها لا من أسس أكاديمية واضحة.
إن هذا الانقسام يشير في حده الأدنى إلى وجود حالة غير سليمة بين مجموعة المؤرخين الفاعلين على الساحة الأوروبية حاليا، لأنه لا يمكن في ظل هذا المناخ الإيديولوجي المتعصب صياغة تصور تأريخي شامل ودقيق يتمتع على الأقل بالموضوعية والأمانة الأكاديمية.
ولعل نتائج الحوار الأخير أثبتت بما لا يدع مجالا للشك عمق الخلاف القائم بين الطرفين، حيث أنهما لم يتفقا إلا على تأسيس معهد أوروبي شامل توكل إليه مهمة دراسة الشيوعية كنظرية وإيديولوجيا، على أن يتم اعتماد خلاصة تلك الدراسة في النقاش اللاحق الذي سيستمر حول موضوع الشمولية في إطاره الأوسع، وفيما إذا كانت الشيوعية أحد أوجه تلك الشمولية أم لا.
وفي الحقيقة، فإن ظاهرة الانقسام الخطير حول هذا الموضوع الحساس انطلقت في البداية من داخل الدول التي كانت تشكل ما كان يعرف بالمنظومة الاشتراكية ، وتمحورت حول أهمية وجدوى تأسيس معهد للذاكرة الوطنية توكل إليه مهمة اعتماد قراءة متأنية ودقيقة للتاريخ الشمولي للبلاد.
وفي تلك الفترة، فإن ما كرّس حالة الانقسام هو إصرار (الجيل الثوري الجديد ) على دراسة التاريخ الشمولي النازي والشيوعي معا، باعتبارهما متماثلين في سمات القمع والاضطهاد وما شابه، في حين رأى آخرون بأن المعهد لن يكون سوى منطلق سياسي لتشويه التاريخ وفق رغبات وأهواء بعض الأطراف المتحكمة في البلاد خلال الفترة الحالية.
ويبدو من تطورات الأيام الأخيرة بأن الصراع المستعر قد انتقل من الساحات المحلية إلى مراكز صنع القرار في بروكسل، في وقت بدا فيه أنه يتحول من صراع بين مناهضي ومؤيدي النظرية الشيوعية كإيديولوجيا، إلى صراع بين مناهضي الشيوعية من جهة والأطراف الراغبة بإنجاز حوار جدي وموضوعي تكون نتائجه صالحة للاستخدام الأكاديمي من جهة أخرى.
وفي حين ينطلق الطرف الأول من حقائق دموية ملموسة مثّلتها تجارب شعوبهم خلال أكثر من أربعين عاما وبالتالي من مشاعر عاطفية قد تكون صادقة في توجهاتها، يعتمد الطرف الثاني على حقائق أخرى تكرسها الحقائق الأكاديمية المفترض تبنّيها في أي بحث علمي جاد يهدف لإعادة كتابة التاريخ بكل أمانة وموضوعية.
وكما كانت روسيا دائما محور الحركة في أي تطور تاريخي مرت به القارة الأوروبية، فانها أصبحت في الوقت الحاضر محور الخلاف بين المؤرخين المنتمين للطرفين المذكورين أعلاه، حيث يسعى أحدهما لصب جام غضبه عليها باعتبارها مصدرا للشر الذي استحكم بتاريخ بلاده طوال هذه الفترة، وبالتالي فانه ينطلق من شعوره هذا لتحقيق المحاكمة التاريخية من خلال الكتب التي ستدرس إلى الأجيال القادمة.
وهذا بلا شك أمر خطير في معانيه ومدلولاته، لأنه يكرّس بالدرجة الرئيسية مبدأ البحث السياسي الذي طالما تعوّدنا عليه في السابق، ويسمح بالتالي لأنصار أية إيديولوجيا منتصرة بتشويه ما قام به أنصار إيديولوجيا أخرى مهزومة، انطلاقا من واقع يؤمنون به لوحدهم ويعتقدون بأنه الأسلم، في وقت يصرون فيه على تراجع المبادئ الأكاديمية الصحيحة التي من المفترض أن تسود أصلا لكي نتمكن من فهم تاريخنا بشكل دقيق.
..لا شك بأن الصراع سيتطور بشكل فريد جدا خلال الفترة المقبلة، خصوصا بعدما وصلت الأمور لدرجة اتهام البعثة الأوروبية باتباع ما وصفها بعض المراقبين في شرق أوروبا بالأساليب الغريبة لإطلاق الحوار الخاص بالشمولية، وبإبدائها حرصا للتخفيف من غضب روسيا. ويبدو لي، بأن ما نشهد اليوم هو نفس الصراع الإيديولوجي الذي انطلق في مراحل تاريخية سابقة، لكن فرادته تتمثل بأنه يتكرر اليوم بأدوات ورموز جديدة مبشرا بتطورات وتحولات فكرية حافلة على الساحة الأوروبية.
كاتب لبناني