التعذيب النفسي الذي يمارسه جهاز «شين بيت» الإسرائيلي بحق المعتقلين الفلسطينيين بلغ في ساديته وانتهاكاته حدوداً حملت جهات، حتى من داخل إسرائيل نفسها ـ «اللجنة الشعبية المناهضة للتعذيب» ـ، على رفع أصوات الاعتراض والإدانة ضدّها. ممارسات تتحدّى كافة القوانين والمواثيق الدولية والأعراف؛ وتضرب بعرض الحائط أبسط الاعتبارات المتعلقة بحقوق الإنسان.
من آخر المبتكرات الإسرائيلية، في هذا الكار اللا إنساني؛ استخدام الأهل والأقارب وبصورة مؤلمة ومهينة؛ لانتزاع اعترافات من أبنائهم المعتقلين تحت الضغط والمساومة. كأن يصار إلى إحضار الأم مقيّدة اليدين وباكية، إلى غرفة التحقيق وعلى مرأى من ولدها المعتقل؛ لحمله على الإدلاء بمعلومات تؤدي إلى إدانته وبالتالي إلى التنكيل به.
قهر نفسي جائر واعتداء فاضح على اتفاقيات ومعاهدات دولية، تمنع التسبب بمثل هذا النوع من المعاناة والتعذيب؛ كما تمنع ممارسة التهديد بمضايقة أفراد عائلة المعتقل أو المس بهم. هذا فضلاً عن الحالات التي يتعرض فيها المعتقلون إلى التعذيب الجسدي؛ أو إلى فصل الوالدين عن أطفالهما؛ والتي تمّ توثيقها.
طبعاً التعذيب والتفنن في طرقه وأساليبه، ليس أمراً طارئاً أو جديداً، في التعامل الإسرائيلي مع المعتقلين الفلسطينيين. هو فقط صار الآن مكشوفاً أكثر، بعدما تسلّطت عليه الأضواء، عن طريق منظمة من أهل البيت. كما أن ممارسته تجري هذه الأيام وبهذا الحجم، حتى بعد منع قضائي إسرائيلي، صدر أواسط 2007، لاعتقال ذوي وأفراد أسرة المعتقل الفلسطيني.
لكن الاستباحة الإسرائيلية، الأمنية والحقوقية، للفلسطيني؛ لا تردعها القوانين والمواثيق؛ ناهيك بالأوامر القضائية. تماماً كما هي الحال بالنسبة للقرارات الدولية التي لا تحصى، والتي لم تقدم أو تؤخر، في توفير حتى الحدّ الأدنى له من الحماية. فضلاً عن الحقوق. والانفلات العدواني للآلة العسكرية الإسرائيلية، في الفترة الأخيرة؛ والذي واكبه فرض حصار قاتل على قطاع غزة ينطق بذلك. بل هو يؤكد، مع التعذيب المكشوف للمعتقلين، بأن الاستباحة الإسرائيلية باتت فاقعة وشاملة.
بعد غدٍ، 17 ابريل، يحيي الشعب الفلسطيني يوم الأسير، وفي السجون الإسرائيلية يقبع حالياً ما يقارب أحد عشر ألف أسير ومعتقل. غالبيتهم، بدون محاكمات ولا أحكام. العديد منهم قضى سنوات عديدة وراء القضبان؛ بسبب شبهة أو تهمة. أو ربما لأنه موضع ظن. رغم الوعود والمطالبات، التي لا تحصى، لم تطلق إسرائيل سراحهم؛ باستثناء حوالي ثلاثمئة منهم شارفت أحكامهم على نهاية تنفيذ مدتها.
وفي ذات الوقت غزة تستغيث من خلف الحصار. الأدوية صارت نادرة. المحروقات بالقطّارة. زيت الطعام يستخدم كوقود للسيارات.الموسم الدراسي مهدّد بالتوقف. والأنكى، أن التصدع الفلسطيني لا يزال على حاله. وكأن هذه الساحة تملك ترف مواصلة اللعبة المعروفة والتي تحولت إلى خسائر فلسطينية صافية، كان بنتيجتها، أن أطلقت إسرائيل العنان لاستباحاتها، على كل صعيد. فهل هناك من يرى ويسمع؟.
