عرضت نشرة «علوم الدار» التي يبثها تلفزيون أبوظبي منذ يومين تقريراً أشارت فيه إلى تراجع اللغة العربية في الإمارات بسبب متطلبات سوق العمل. وتساءل التقرير عن إمكانية إلزام الأجنبي في الدولة بتعلم اللغة العربية باعتبارها لغة مواطني دولة الإمارات.
ومن وجهة نظرنا، تقرير «علوم الدار» أثار قضية مهمة، وعندما نقول قضية مهمة فنحن لا نعني قضية اللغة العربية التي لا خلاف على أهميتها ولا يمكن أن تكون مثار جدل لا سيما وهي جزء من هوية أبناء دولة الإمارات، لكن القضية التي نتحدث عنها هي قضية الحلم المستحيل الذي تفاءل التقرير بإمكانية تحقيقه في دولة أصبحت فيها اللغة العربية غريبة حتى عند أهلها بعد أن فضلوا لغات أخرى عليها، ليس في حياتهم الخاصة.
فحسب بل ذلك تعدى إلى مؤسسات أصبحت مجبرة على التغريب، بعد أن غربت كوادرها البشرية وأصبحت هي الغالبة وبالتالي غلبت لغتها وثقافتها، وهو ما لم يحدث في أي مكان في العالم إلا لدينا نحن وخلال سنوات كانت لدينا فيها الفرصة لفرض اللغة العربية والحفاظ عليها، لكن الآن يبدو أن تحقيق هذه الأمنية بات صعبا وبحاجة إلى جهاد كبير لا نعرف إن كان الجميع له طاقة به.
الأجنبي عندما جاء إلى الدولة لم يجد قوماً يتمسكون بلغتهم، بل وجد غالبيتهم ممن يذوبون في ثقافة الآخر ظناً منهم أن ذلك دليل على التقدم واستيعاب المتغيرات، وربما لم يخيل لكثير منهم أن ذلك الذوبان هو البداية التي تجر لذوبان أكبر على حساب هوية وطنية وعلى حساب سيادة. لا نبالغ فيما نقول فضياع اللغة العربية في مجتمعنا لا يحتاج إلى أدلة، فالمنازل، الفنادق، الشوارع، الأماكن العامة، المؤسسات الحكومية والخاصة، طوابير البنوك، أماكن التسوق والنزهة وغيرها كلها تعبر عن وضع اللغة العربية في مجتمعنا.
هذا ما يراه الزائرون وما يجعلهم في حيرة مما يشاهدون ومما يسمعون، فالعربية التي ندعو اليوم للتمسك بها وإجبار الأجانب على تعلمها تتناقص وتتلاشى وربما تنقرض قريباً وتصبح في ذمة التاريخ، أليس الأفراد في أي مجتمع هم حاملو اللغة ووعاؤها الذي تحفظ فيه؟ فإذا كان حاملو اللغة هنا من سكان الدولة الأصليين هم أول من فرط بها، وإذا كان غيرهم من الأجانب ممن أصبحوا في كل شبر لا يكترثون لشأنها، فكيف نتوقع تغليب اللغة العربية على غيرها من اللغات؟ وكيف نضمن الحفاظ على الهوية الوطنية بعد التفريط بأهم أدواتها؟
لسنا عنصريين في حديثنا عن اللغة العربية ولكنها الجزء الأهم من الهوية الوطنية التي كنا نتمنى لو بكرنا كثيراً في الدعوة إلى التمسك به وفرضناه على الجميع باعتبار العربية لغة الدولة الرسمية. هل يصدق القارئ وجود أسر مواطنة، عربية أباً عن جد لا تتحدث مع أبنائها وأفراد أسرتها إلا بالانجليزية وهي تفاخر بذلك؟
هل يتصور أن لقاء أبناء عرب لا يفهمون أقل سؤال يطرح عليهم بالعربية وينتظرون ترجمته إلى الانجليزية؟ هل يتخيل وجود مؤسسات تعليمية يمكن اعتبارها أول الداعين إلى التغريب وأول المفرطين بالعربية؟ هل يتصور قارئنا العزيز إمكانية فرض تعلم اللغة العربية على الأجانب الآن وبعد أن اتسع الخرق على الراقع؟
لن ننتظر إجابات القارئ التي ندركها لكننا سنكرر دعوتنا بأن لا نضيع فرصة أخرى في الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها رمزاً وجودياً كفيلاً بتعزيز الحفاظ على وجود الناطقين بها قبل فوات الأوان وقبل أن يؤول حال المواطنين لحال تلك الشعوب التي فقدت لغتها وفقدت وجودها وأصبحت في عداد التاريخ.
