أجراس الإنذار بدأت تدق بقوة أكثر من ذي قبل في أنحاء العالم تحذر من انهيار اقتصادي أو انفجار اجتماعي عالمي قد يبدو قادما لا محالة ما لم يجر فعل دولي وإقليمى ووطني جاد وواعٍ وعادل وعاجل، للتصدي للسنوات العجاف التي تبدو مقبلة بغير رحمة لنصف العالم الفقير وبغير استثناء لنصف العالم الغني، والتي تتفجر فيها نيران الغلاء في العناصر الأساسية لحياة الإنسان العادي خاصة في الغذاء والسكن والدواء بسبب سوء التوزيع الظالم للثروة العالمية.

وسوء المعالجة السياسية على مستويات وطنية لبعض الأزمات الاقتصادية بما يؤديلمزيد من الأزمات الاجتماعية الإنسانية ، نتيجة للسياسات العولمية المتوحشة الساعية إلى تحويل الدول النامية إلى أسواق مفتوحة مستهلكة ولا منتجة لمنتجاتها الصناعية وصادراتها الغذائية.

والساعية إلى التنافس على احتكار الأسواق الباحثة عن الربح بأي وسيلة، والضاغطة على الحكومات لرفع يدها عن حماية الناس العاديين المستهلكين والمستأجِرين والمستأجَرين من سعار الأسواق والأسعار ومن المتاجرين والمؤجرين للبشر والشجر والحجر، وللسماح بحرية التجارة في كل شيء حتى في الإنسان الذي أصبح أرخص السلع في عصر السوق أو السوء،لافرق!

. . وليس بعيدا عن ذلك، الاتجاه العالمي الشيطاني لمعالجة بعض الأزمات التي صنعها فلاسفة اقتصاديون مغرضون، بروشتات خاطئة لأطباء سياسيين فاشلين، من الذين يحاولون حل أزمة أسعار الطاقة بصنع كوارث أكبر وأخطر بإشعال النار في أسعار الغذاء، وذلك في المحاولات اللا إنسانية المدمرة لتحويل مصادر الغذاء الإنساني إلى مصادر للوقود الحيوي « مثل مشروع بوش للطاقة » للاعتماد على الإيثانول بدلا من البترول، بل وحتى لصناعة وتجارة مواد التجميل!

وليس بعيدا عن ذلك أيضاً ذلك الاتجاه الذي يصيب الأسواق والأسعار بالخلل باتجاه الدول الصناعية الكبرى بمحاولات الاستحواذ ولو بالقوة العسكرية على مصادر الغذاء والمياه والطاقة، والتسابق المحموم على التخزين الاستراتيجي للسلع الأساسية ، بما يفتح الأبواب للسعار العالمي في الأسواق بالاحتكارات والمضاربات في السلع الغذائية الاستراتيجية كالقمح والذرة والأرز.

الانهيار أو الانفجار قادم، ما لم توضع من السياسات الإنتاجية التنموية الجديدة مايسرع الحلول لمشاكل الجوع والفقر والبطالة، التي فتحت الأبواب للعديد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، إلى الحد الذي دفعت فيه تلك الكوارث إلى تنامي ظاهرة التجارة الشريرة في الفقراء من البشر الباحثين عن لقمة عيش أو عمل يوفر لهم حدا أدنى من الغذاء يحميهم من الموت جوعا ويحميهم من الغلاء.

ها هم شباب الجنوب يضطرون إلى مجابهة الموت جوعا أو يأسا في بلادهم، أو غرقا أو سجنا في بلاد غيرهم في هجرة جبرية غير مشروعة نحو سواحل الشمال بحثا عن أبسط حقوق الإنسان وطلبا لتأمين مجرد العيش بالعمل، وليس طلبا للحياة.

إن ذلك بات يستدعي إعادة تقديم نتائج سياسات العولمة الاقتصادية وما أدت إليه من آثار اجتماعية سلبية خطيرة خصوصا على فقراء النصف الجنوبي، بل وعلى الطبقة المتوسطة والفقيرة في النصف الشمالي من العالم، سبق أن حذر منها المحذرون من المفكرين والاقتصاديين والاجتماعيين في العالم ولكن بغير نتيجة، إلى أن وجد العالم نفسه اليوم بجنوبه وشماله يواجه من الأزمات التي تنذر بأكبر الكوارث مايكاد يخرج عن السيطرة الحكومية والشعبية معا.

كما يتطلب من الدول العربية وضع سياسات تنموية إنتاجية وطنية جديدة، والتوسع في المشروعات الزراعية الإقليمية المتكاملة ذات الأبعاد الاجتماعية التي تستهدف تحقيق الأمن الغذائي لإنهاء كارثة الجوع، ومحاصرة مشكلة الفقر.

وتوفير مزيد من فرص العمل لزيادة معدلات التشغيل وحل مشاكل البطالة والحذو حذو الإمارات ومصر والسودان التي قررت مواجهة أزمة الغذاء والغلاء لبلدانهم بزراعة 6 ملايين فدان في السودان الذي لديه أكثر من 200 مليون فدان غير مستثمرة ومازال ممكنا الاستثمار في مزيد من ملايين الأفدنة، بل وإقامة الصناعات الغذائية على الإنتاج الزراعي بما يجعل من السودان سلة الأمن الغذائي العربي.

mamdoh77@hotmail.com