ما زال الحديث عن الحرية متصلاً، هذه الحرية التي يقال إن كُتّاب الإمارات لم يستغلوا حتى الآن هامشها، رغم أنهم لا يعرفون مساحة هذا الهامش ولا حدوده، ورغم أنه يبقى هامشاً لا يرقى إلى مرتبة النَّص، فالهامش كما يُعَرَّف في فن الكتابة هو الفراغ الواقع بين طرف الورقة وحدود النَّص يميناً ويساراً ومن الأعلى والأسفل.

فهل المطلوب من الكُتّاب استغلال هذا الفراغ غير المحدد، معتمدين على فراستهم وحاستهم السادسة، علماً بأن هاتين الوسيلتين تخطئان أكثر مما تصيبان عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الآراء التي يتفنن في تفسيرها المنظّرون والمتفلسفون وأصحاب المصالح، فيحمّلونها أكثر مما تحتمل، ويضعون عليها من علامات الاستفهام أكثر مما يتطلب الأمر، تقرباً لأصحاب القرار، أو تزلفاً، أو دفاعاً عن مصالحهم التي تتقاطع مع هذه الآراء وتتصادم غالباً.

يتحتم علينا قبل أن نوغل في البحث عن نصوص الحرية وهوامشها أن نستشرف الوسط الذي نكتب فيه ونوع الحرية التي نطالب بها. ففي بلد يموج بالحركات السياسية ويعيش صراعاً بين القوى والأحزاب للوصول إلى السلطة تصبح الحرية التي يتحدث عنها المطالبون بها هي حرية الكشف عن البرامج السياسية التي تتبناها هذه الأحزاب والقوى المتصارعة، وحرية التعبير عن الأيديولوجيات والأفكار التي تنطلق منها هذه البرامج.

وحرية انتقاد السلطة الحاكمة وكشف ممارساتها الخاطئة توطئة لإزاحتها. وكذلك الحال في الأنظمة الديكتاتورية التي تمارس حكماً تعسفياً على شعوبها يدفع هذه الشعوب المقموعة إلى المطالبة بالحرية كي تجد متنفساً للتعبير عن معاناتها، فهل نحن داخلون في دائرة هذه المنظومة وإطار هذا المفهوم الذي أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن الحرية؟

لا نعتقد أن أحداً يمكن أن يدخلنا هذه الدائرة لأننا نعيش في بلد لم يعرف على مدى تاريخه صراعاً أيديولوجياً ولا مذهبياً، ولم يترَبَّ مواطنوه على ثقافة الأحزاب السياسية التي عرفتها دول أخرى في محيطنا العربي وعانت منها الأمرّين، وانعكست على بعضها حروباً أهلية أدت إلى دمارٍ ما زالت تعاني منه حتى وقتنا الراهن، إلى الدرجة التي أصبحت معها شعوبها تغبطنا على الاستقرار الذي نعيش فيه، ويتمنى علينا المحبون منهم أن ننأى بأنفسنا عن تجاربهم لهول ما عانوا وما زالوا يعانون منها.

فإذا ما اتفقنا على أنه ليس ثمة احتقان من هذا النوع بين السلطة والشعب لدينا، وأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلدنا يسودها الكثير من الحب والاحترام والتوافق، أصبح الأمر أكثر قابلية للنقاش، وأصبح الاتفاق عليه أرجح من الاختلاف، وأصبحت القضايا المطروحة للتداول بين فئات المجتمع، بمن فيهم الصحافيون والكُتّاب، أقل حِدّة من الصورة التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن لأول وهلة عند طرح قضية الحرية وارتباطها بالتعبير عن الرأي.

رُبَّ قائل يقول إن قضية المشاركة السياسية قضية حساسة يتجنب الكثير من الناس والكُتّاب الخوض فيها أو حتى الاقتراب منها. لكن هناك من يختلف مع هذا الرأي، ويعتقد أن القضية ليست بمستوى الحساسية التي يصورها البعض أو يتصورها، بدليل أن الحكومة ممثلة في رئيس الدولة كانت أول من تطرق لها وطرحها في خطاب العيد الوطني الرابع والثلاثين الذي أرسى القواعد الأولى للمشاركة السياسية عبر انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي من خلال الهيئات الانتخابية كخطوة أولى في الطريق إلى الانتخاب الحر الكامل بعد نضوج التجربة ومعرفة سلبياتها وإيجابياتها.

وحتى لو كانت هذه المشاركة في مرحلتها الأولى منقوصة ودون الطموح فإن تجارب الدول الأخرى، والخليجية منها على وجه الخصوص، تجعلنا لا نتخذ من تجربتنا موقفاً عدائياً حاداً نظراً لخصوصية مجتمعنا وتركيبته، ومع هذا فإن الحكومة لم تسدّ المنافذ أمام الآراء المخالفة ولم تقمعها، بل سمحت لها بالتعبير عن نفسها من خلال الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، إيماناً منها بأن التوافق الكامل على كل الآراء لا يتفق مع طبيعة البشر منذ بدء الخليقة.

فإذا ما وضعنا هذه القضية التي يتخوف البعض من طرحها في إطارها الصحيح وحجمها الطبيعي، بقي علينا أن نتلمس القضايا التي يمكن أن يشوب التطرق إليها نوع من القلق أو الحرج، يعتبره البعض بيت القصيد الذي نبحث عنه في معلقة الحرية التي يسهم الجميع في نظمها ويبحثون عمن يعلقها على جدار قلعة الصحافة.

ربما لا يختلف اثنان على أن مجتمع الإمارات يعيش طفرة مادية سريعة الخطوات، لاسيما في السنوات الأخيرة بعد أن اجتازت الدولة مرحلة التأسيس، هذه الطفرة أحدثت وضعاً لم يكن ملموساً بدرجة كبيرة في مرحلة البدايات، لكنه أصبح ظاهراً للعيان في السنوات الأخيرة، نتيجة للتباين في المستوى الاقتصادي بين الإمارات وبعضها.

وقد أحدث هذا الوضع خللاً جاء كرد فعل طبيعي للفجوة التي أحدثها هذا التباين بين مواطني الإمارات، من حيث القدرة على توفير متطلبات الحياة في ظل الواقع المعاش؛ هذا الواقع الذي أفرز مجموعة من المشكلات التي أصبح يعاني منها كثير من المواطنين.

كمشكلة الغلاء والإسكان والبطالة وغيرها من الظواهر التي أصبح المواطن يشعر معها بالعجز عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، ناهيك عن القدرة على مواكبة الذين استفادوا من هذه الطفرة فتكونت منهم طبقة لا تتحدث ولا تتعامل إلا بالملايين، ولا تشعر بمعاناة الفئة الأولى التي تتشكل منها غالبية مواطني الإمارات.

هذه القضايا التي هي من إفرازات الطفرة المادية غير المتوازنة هي الأكثر إلحاحاً على مواطن الإمارات والأكثر استقطاباً لاهتمامه، لذلك نجدها حاضرة دائماً في زوايا كتاب الأعمدة اليومية وفي برامج البث المباشر بإذاعات الدولة وعبر المنتديات، فهل تكون هذه القضايا هي محل الاختلاف على ضيق أو اتساع هامش الحرية الذي يتحدث عنه كُتّاب الرأي ويعتبرونه عائقاً؟

لا يبدو ذلك واقعياً، بدليل أن هذه القضايا مطروحة بشكل يومي وصريح ومتكرر، وتلقى تجاوباً من قبل المسؤولين في الحكومة بدءاً من قمة الهرم إلى أصغر مسؤول فيها، بل لعلها تكون وقود الصحافة اليومي الذي تعوّض من خلاله عجزها عن مجاراة وسائل الإعلام الأخرى في نقل الخبر ومتابعته لحظة بلحظة.

ولذلك فإن حرصها على الإبقاء على مساحة طرح هذه القضايا وزيادتها نابع من رغبتها في البقاء داخل دائرة المنافسة، أي أنها معركة وجود للصحف نفسها قبل أن تكون معركة حرية يخوضها الصحافيون والكُتّاب ويحتشدون من أجلها. سوف يبقى حديث الحرية متصلاً حتى لو اتسع الهامش الذي يقال إن الكُتّاب لم يستغلوه بعد، لأن الهامش يبقى هامشاً مهماً اتسع، أما النص فيبقى نصاً يتمنى الكُتّاب لو يتسع لآرائهم كي لا يضطروا للجوء إلى الهامش.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com