يبدو أن الرئيس بوش قد قرر، أخيراً، التخلي عن بعض المكابرة والتحلي بشيء من التواضع؛ ولو الملتوي، بخصوص حربه على العراق. كلامه، في مقابلته مع شبكة تلفزيون ايه - بي - سي - الأميركية، يعكس هذا «التحوّل»، إذا صحّ التعبير.
قال ولأول مرة: «نعم كنت اعتقد أننا سنفشل وكنت أشعر بالقلق»؛ خلال عام 2006. بقياسات خطابه المعروف، يندرج اعترافه هذا في خانة التنازل. ما من مرة سابقة اقترب إلى هذا الحدّ من التوصيف لورطته العراقية ومخاطرها. لكن على أهميته، جاء اعترافه متأخراً ومنقوصاً. فهو لم يبق له سوى حوالي نصف سنة، قبل تقاعده.
وبالتالي لن يكون هناك ما يكفي من الوقت لمفاتحته بالموضوع وحمله على تغيير سياسته العراقية. خاصة وأن معركة الرئاسة قد أخذت تطغى أكثر فأكثر، على الحياة السياسية الأميركية وباتت الشغل الشاغل لها. ثم أنه بهذا الاعتراف، حصر المسألة بالجانب العسكري فقط؛ لكي يتجنب الاعتراف بأن خشيته من الإخفاق العسكري آنذاك، تعود في جذورها إلى إخفاق أصلي في تقدير مخاطر تلك الحرب وتداعياتها، قبل شنّها.
الرئيس بوش، طبعاً، لا يسلم بأن حربه كانت بمثابة الخطيئة. حتى بعد أكوام الكوارث التي راكمتها؛ والتي باتت سبب نقمة واسعة، عليه، في الداخل كما في الخارج. الحرب «الخرقاء»، يقول المستشار الأسبق لشؤون الأمن القومي في البيت الأبيض، زبغنيو بريجنسكي، قد تحوّلت إلى « مأساة قومية وكارثة اقتصادية ومصيبة إقليمية». وعليه « فلا بدّ من وضع نهاية لها»؛ كما قال في مقالته التي نشرتها جريدة واشنطن بوست، قبل أيام قليلة.
فذلك، يضيف، «يحقق مصلحة العراق ويجعله أكثر استقراراً على المدى الطويل»؛ كما أنه «يؤدي إلى تهدئة الشرق الأوسط، الذي يحتاج إلى تبريد وليس إلى المزيد من التسخين». هذا النقد الصريح والمرفق بدعوة صريحة للانسحاب، يعززه هبوط غير مسبوق في رصيد أي رئيس أميركي. فقط 28% من الأميركيين يحظى الرئيس بوش بتأييدهم. سبق الرئيس نيكسون في نزوله.
حاول الرئيس إضفاء طابع المرونة على حديثه المتلفز والموجه إلى الداخل. أعرب خلاله عن عدم رغبة في القيام بعمل عسكري ضدّ إيران؛ ولو أنه، كالعادة لم يستبعد الخيار العسكري «عند الضرورة»، على ما قال. مع أن خطاب إدارته تميّز، في الأيام الأخيرة، بارتفاع وتيرة التصعيد والتشدّد، تجاه إيران. إشارات متضاربة كثيرة تصدر عن واشنطن، مؤخراً.
بالتحديد فيما يتعلق بالساحة العراقية. قائد قواته وسفيره، في العراق؛ رفضا، قبل أيام، تحديد موعد ولو تقريبي لبدء الانسحاب. ولا لجدولته. وبكل حال هو لم يتراجع عن مراهنته الأمنية. بل انه أعرب عن زيادة تفاؤله بالحل العسكري. وكلامه حول أن الإخفاق صار شيئاً من الماضي، يشير إلى اعتزامه تسليم خلفه الملف العراقي ، بالبزة العسكرية. على العراقيين أخذ العلم والاختيار بين مواكبة هذه المراهنة وبين التوجه الجاد نحو استعادة وحدتهم الوطنية.
