يقول الكاتب والمحلل الإسرائيلي الوف بن في هآرتس ـ «إن باراك سيد الأمن الإسرائيلي الأول»، ويضيف: «في نظر العديد من الإسرائيليين النتيجة الأساس لحرب لبنان الثانية كان فقدان الثقة الجماعية بالنفس، فمن تربى على قصص حرب الأيام الستة، عملية عنتيبة وقصف المفاعل في العراق، وجد صعوبة في أن يفهم كيف فشل الجيش الإسرائيلي في المواجهة مع منظمة حرب عصابات لبنانية صغيرة.

وبدا الأرق في كل حديث عن الوضع، بل واحتدم بعد أن احتلت حماس غزة في ثلاثة أيام، فكيف سننجو أمام الإسلام المتطرف؟ وماذا سنفعل مع إيران؟، هل اكتشفوا كيف يقوضوننا؟، هل الصهيونية ستبقى والأطفال سيواصلون العيش هنا..؟، أم سيتعين عليهم التنقل في منفى جديد..؟.

يجيب الجنرال احتياط بن اليعازر قائلا: «إن وزير الحرب أيهود براك هو أهم شخصية في هذه الأيام، وذلك على ضوء التهديدات الأمنية والسياسية التي تواجه دولة الاحتلال في هذه المرحلة»، مضيفا: «إن باراك لديه الخطط التي تؤهله بأن يكون زعيما سياسيا وعسكريا لـ «إسرائيل»، مشيراً إلى «أنه في كل يوم من الممكن أن تقع حرب وباراك هو الشخص الملائم لمواجهة جميع التهديدات والتحديات».

وكما هو معروف من تجارب الدورات الانتخابية الإسرائيلية السابقة فإن الإسرائيليين يختارون دائما جنرالات الأمن والإرهاب، وباراك في الرؤية الإسرائيلية هو الجنرال وسيد الأمن الأول، فلنقرأ إذن رؤية هذا السيد الأول، فوفق خطوط وإحداثيات المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن الجنرال باراك، عاد إلى قمة المشهد ليلعب دوراً مركزياً في السياسات المستقبلية الإسرائيلية إلى جانب منافسه نتانياهو.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في عودة باراك خطابه الحربجي المعهود على نحو اشد تطرفا وتماديا من نظرائه الآخرين، فهو يعود مدججا بسيكولوجيا القوة والعربدة العسكرية باعتبارها الطريق إلى أي تسوية سياسية، فقد أعلن في اقرب تصريح له معبراً عن بلطجة القوة: «إن إسرائيل تعتبر أقوى دولة في المنطقة» ـ مرسلاً تهديده لمن يتواجد في الجانب الآخر من الحدود ألا يتحدوا كيانه المزعوم، وجاءت تصريحات باراك خلال جولة أجراها على الحدود الشمالية مع لبنان، مضيفا: «أنا أوصي من يتواجدون في الجانب الآخر من الحدود بأن لا يتحدونا».

وكان باراك قد صرح في السياق ذاته قبل ذلك قائلاً خلال كلمة ألقاها أمام ضباط وطياري سلاح الجو في القاعدة العسكرية «تل نوف»: «انه لا يزال هناك من يخططون للحرب من حولنا فنحن لا نشعر بالارتياح ولسنا هادئين»، زاعماً أن إسرائيل وجهتها كانت دائماً للسلام ولكن إذا تم فرض الحرب علينا فبقدرتنا استهداف كل عدو أينما كان وفي كل مكان وبقدرتنا الانتصار في أي حرب الآن.

وبعد ذلك بأسابيع كرر باراك رسالته الحربية في حفل توزيع أوسمة حرب لبنان الثانية على هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي قائلا: «انه يتوقع أن تنتهي أي حرب قد تخوضها إسرائيل في المستقبل بالانتصار»، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن باراك قوله إنه «إذا نشبت حرب أخرى فإننا نتوقع أنها ستنتهي بانتصار مع حد أدنى من الإصابات، وحد أدنى من الضربات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية».

وحول غزة والصواريخ قال باراك في خطابه أمام مؤتمر هرتسليا السنوي «إن إسرائيل ستمارس مزيدا من الضغط على قطاع غزة لوقف الصواريخ، وإذا تطلب الأمر أن يكون في الطرف الثاني زلزال فليكن»،وبالنسبة للهزيمة الإسرائيلية أمام حزب الله تنطح باراك ليعلن استعادة هيبة الردع المحطمة فقال في كلمته أمام مركز العمل «إنه يسعى إلى »ترميم واستعادة قوة الردع والحسم لإسرائيل«.

وأضاف: «ان التسويات السياسية في الشرق الأوسط يمكن التوصل إليها فقط من موقع قوة».ولذلك لا غرابة عندما يشكك باراك في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني، ويحمل الفلسطينيين مسؤولية عدم التوصل لمثل هذا الاتفاق الأمر الذي يؤكد عليه الرئيس الفلسطيني ابو مازن حينما يتهم باراك ب«إفشال وتعطيل مسار المفاوضات لأسباب داخلية إسرائيلية وتصفية حسابات شخصية معه».

الأمر الذي عبرت عنه الإدارة الأميركية بشكل غير مباشر بتوجيهها «انتقادات لإيهود باراك بسبب عدم تقدم أي محادثات يكون ضالعا فيها مقابل الجانب الفلسطيني». ونستحضر المزيد من منطق الغابة والردع لدى باراك، فقد كان كتب في صحيفة معاريف بمناسبة مرور خمسين عاماً على النكبة واغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية يقول: «ان إسرائيل أقوى من كل الدول الموجودة على بعد 1500 كيلومتر منها، ليس هناك أي منطق سياسي في الصراع الذي نخوضه الآن».

واليوم، وحيث ان باراك على رأس الحكومة إلى جانب الثنائي أولمرت وليفني وعلى رأس الجيش الإسرائيلي، بل أنه يقود الجيش والدولة الإسرائيلية نحو حروب قادمة، نقول:إذا كانت مفردات ومفاهيم ومنطلقات ومعادلات باراك في التعامل مع الفلسطينيين والعرب كلها تقوم على سياسة العصا والجزرة، والغابة والردع ونزعة التفوق والعجرفة والقوة، وأن إسرائيل أقوى من كل الدول الموجودة على بعد 1500 كيلومتر منها.

وأن السلام ممكن فقط من موقع القوة والثقة بالذات، وانتهاج سياسة صارمة مع الفلسطينيين والعرب، وسياسة القبض على خناقهم وغير ذلك، فإذا كانت كل هذه وغيرها الكثير تشكل القاعدة الأساسية والمنطلقات الرئيسة لباراك وخطابه السياسي السابق والراهن والقادم، فعلى الفلسطينيين والعرب أن يعيدوا ترتيب أجندة أولوياتهم السياسية والإستراتيجية، للتعاطي بمنتهى الجدية مع خطاب وسياسات باراك الذي قد يصبح رئيسا للوزراء قريباً.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com