إبان عصر الحرب الباردة (1945 ـ 1990) بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي السوفييتي دفعت الولايات المتحدة الدول العربية والإسلامية إلى التحالف معها في جبهة عريضة لمواجهة الاتحاد السوفييتي باسم «محاربة المد الشيوعي الإلحادي» والآن وفي عصر ما بعد الحرب الباردة (التي انتهت بانهيار الإمبراطورية السوفييتية) تضغط واشنطن على العرب والمسلمين للانخراط معها في جبهة موحدة ضد المد الإسلامي باسم «الحرب على الإرهاب».
فما مغزى هذا التناقض؟
ابتداءً ليس هناك تناقض جوهري في الخط الاستراتيجي الأميركي العام ما بين العهدين وإن كان هناك تناقض في الوسيلة، وعلى مدى العقود الزمنية الستة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحلول عصر الحرب الباردة وحتى يومنا هذا يظل الهدف الأميركي الاستراتيجي الأعظم .
والثابت هو انفراد الولايات المتحدة بهيمنة كاملة على العالم بأسره من خلال تحالف ثنائي بين ظاهرتين عالميتين: الرأسمالية والحركة اليهودية الصهيونية، والمؤسف أن الدول العربية والإسلامية ارتضت لنفسها طوال هذه العقود الزمنية الانسياق وراء الهدف الاستراتيجي الأميركي العالمي علماً بأن دولاً أخرى عمدت إلى المقاومة بدوافع الاستقلالية الوطنية.
العصر الأميركي في العالم العربي بدأ عند منتصف القرن الماضي حين دخلت الولايات المتحدة على المشهد لملء الفراغ الذي بدأ في النشوء ببداية زوال السيطرة الاستعمارية الأوروبية ـ بريطانيا وفرنسا تحديداً، حينئذ منيت بريطانيا بهزيمة تاريخية فاصلة في «حرب السويس» عام 1956 التي شنت ضد مصر الناصرية إيذاناً بهزيمة فرنسا لاحقاً في الجزائر.
ابتدعت الولايات المتحدة آنذاك ما أطلق عليه «مشروع أيزنهاور» وكان الهدف الظاهري المعلن هو حشد اصطفاف جديد للدول العربية والإسلامية وراء واشنطن من أجل «احتواء المد الشيوعي». بينما كان الهدف الحقيقي غير المعلن هو التمكين للنظام الرأسمالي في صراعه الأيديولوجي العالمي مع النظام الاشتراكي.
ومن ناحية أخرى كان المشروع الأميركي يهدف إلى صرف الانتباه العربي والإسلامي بعيداً عن القضية الفلسطينية والوجود الإسرائيلي. ما بين الأمس واليوم لم يطرأ تغيير جوهري، فالولايات المتحدة لا تزال تقود تحركاً رأسمالياً عالمياً باسم «العولمة» و«اقتصاد السوق» لفرض سيطرة شاملة لكبرى الشركات الأميركية على حركة التجارة العالمية والأسواق المالية.
ومن ناحية أخرى فإن الحماية الأميركية للدولة اليهودية ودعمها لتبقى القوة الإقليمية العظمى في منطقة الشرق الأوسط أصبح أشد وأقوى من أي وقت مضى، ومع ذلك لا تزال الدول العربية والإسلامية منخرطة في تحالف أزلي مع القوة العظمى وأهدافها الاستراتيجية علماً بأنه تحالف غير مبني على مبدأ المصالح المتبادلة.
لقد شهد العالم في هذه الأثناء كيف نجحت دول في تمردها ضد الهيمنة الأميركية، صمدت كوبا كاسترو، وتمكن الشعب الفيتنامي من إلحاق هزيمة ساحقة بقوات أميركية معتدية تتكون من نصف مليون مقاتل، وجاهدت الصين اقتصادياً إلى أن وضعت قدميها على طريق التحول إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم. والآن تنهض روسيا من كبوتها وهي تعود بقوة متجددة إلى ساحة الصراع الدولي.
ويبقى سؤال: إلى متى يبقى العرب والمسلمون على هامش المجرى الرئيسي للتاريخ؟