ليس هناك أجمل من النظام ولا أروع من تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، ولا ضير من مخالفة من تجاوز النظام عمداً أو من دون قصد، ولكن وفق الأصول التي تنبغي مراعاتها وبشكل دقيق عند تطبيق النظام، لا كما حدث مع أم سلطان.
«أم سلطان» اليوم مربية فاضلة في إحدى مدارس دبي، عندما كانت طفلة صغيرة، كانت تخرج مع المغفور له بإذن الله والدها أينما ذهب وأقرب الأماكن إلى نفسها وأعزها كانت تلك البقعة التي منحها الراحل الكبير الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمة الله عليه وغفرانه، على الشارع في منطقة حتا لتصبح مزرعة له ولعائلته.
لا تنسى أم سلطان صورة الراحل وهو يحدد لوالدها حدود الأرض شرقا وغربا بل ويحدد التقسيمات الخاصة بها حاله في ذلك مع سائر أهالي دبي، أخذ والدها الأرض وبدأ في زراعتها وتجميلها وقد استأثرت شجرة النخل بجل مساحة المزرعة لما لهذه الشجرة المباركة من أهمية ومكانة عند الأهل في الماضي.
في المزرعة عمل والدها بيديه واهتم بزراعة فسائل النخل بنفسه ورواها حبا وغراما بقدر ما رواها بالماء حتى أصبحت المزرعة من أعز الأماكن على قلبه يقضي فيها ساعات طويلة من النهار ترافقه في تلك الزيارات الصغيرة أم سلطان التي باتت تعرف كل كبيرة وصغيرة فيها ولكل ركن فيها ذكرى لا تفارق ذهنها.
في عام 1995 ألم مرض بوالدها وكعادة أهلنا يرفض الوالدان مد يديهما إلى الأبناء، فآثر بيع المزرعة النفيسة لدفع نفقات العلاج، رفضت أم سلطان ذلك ولجأت إلى البنك تقترض منه ما يكفي لعلاج والدها الذي أعطاها المزرعة مقابل ما أخذ منها من نقود.
آلت المزرعة التي تبلغ مساحتها 42 ألف قدم إلى أم سلطان فلم تقصر في الاعتناء بها بل ضاعفت من رعايتها وتحديثها وشيدت لها سورا خرج من كل جهة مسافة عدة سنتيمترات بمقدار إجمالي لا يزيد عن المتر، وهو أمر ـ وإن كان مخالفا ـ لكنه متعارف عليه بين الأهالي في المناطق النائية تحديدا.
الثلاثاء الماضي، تلقت أم سلطان اتصالا من «البيدار» أي المزارع في مزرعتها يخبرها برسالة سلمه إياها موظف يتبع بلدية دبي، ذهبت وتسلمت الرسالة التي تفيد بضرورة «إزالة الإشغالات»، تقول: لم أعرف المقصود بالإشغالات هذه فهل يقصد وجود فضلات أو ما شابه أم ماذا.
تقول حاولت من لحظتها الاتصال بالشخص الذي قرأت اسمه على ورقة الإنذار لأستفسر وأستوضح منه عن فحوى الرسالة ولم أتمكن من الاتصال به بسبب إغلاق هاتفه، وإذ بي أتلقى صباح أمس السبت اتصالا من البيدار وهو يقول «ماما تعالي بسرعة في مشكلة داخل المزرعة».
تقول جريت وبلمح البصر كنت هناك، لأرى الجرافات والشيولات قد أتت على أسوار المزرعة من أربع جهات تحت حماية رجال الشرطة، لم أستطع التفوه بكلمة سوى أنني غرقت في البكاء، بل البكاء المرير جلست أذرف دموعاً وانضم إلي صغاري وسط أكوام الرمال والمزرعة التي أصبحت مكشوفة والحيوانات التي تضمها المزرعة أصبحت بلا مأوى بعد أن تمكن المزارع من إنقاذها قبل أن تدفن تحت الركام.
تتساءل أم سلطان هل من العدل أن تفعل البلدية هكذا بمزرعتها وهل الإجراءات تقف عند حد إلقاء ورقة على المزرعة ثم هدم أسوارها بعد أيام وقد أنفقت عل بنائها عشرات الآلاف، فالخطأ مردود ولتطبيق العقوبة أيضاً مراحل ومهلة تعطى للناس لإزالة المخالفات، ليس على طريقة «خذوه فغلوه»، تقول أخطأت حين خرجت «كم شبر» عن حدودي، ومستعدة لتحمل تبعات خطئي ولكن ليس بهذه الصورة المجحفة.
فكم من مبالغ مضطرة اليوم «أم سلطان» لإنفاقها أولا لإزالة المخلفات وكم ستدفع بعد ذلك لإعادة بناء سور مزرعتها التي رفضت بيعها بمبلغ 15 مليونا لما لها من مكانة عزيزة لا تقدر بأموال الدنيا ـ كما تقول ـ ، وبدورنا نقول الله الله في حسن معاملة المواطنين، والقانون فوق الجميع، ولا بد أن يطبق ولكن حسب الأصول فلا ضرر ولا ضرار يا بلدية دبي والرحمة حلوة.
