عكست التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدينة المحلة الكبرى في دلتا مصر، أحد وجوه أزمة غلاء الأسعار وتدني الأجور ما وضع الملايين بين شقي رحى الاحتجاجات الضرورية اليومية متمثلة في الغذاء، وعدم قدرة السواد الأعظم على توفير ما يطعم الأفواه، ما دفع الناس إلى الخروج للشارع الذي تحمل الأمن نصيبه الأكبر من تداعياته، رغم أن المسؤولية والحلول تتخطى عتبات وزارة الداخلية وحدها.

الأزمة في جزء كبير منها مرتبطة بالأزمة الأكبر التي ظهرت في طوابير الخبز الذي دفع البعض حياته في الحصول عليه في الأسابيع الأخيرة، كتجسيد لواقع لم تشهد مصر مثله منذ سنوات طويلة حتى في أيام الحروب والصراعات المسلحة مع إسرائيل في الخمسينات وحتى منتصف السبعينات تقريباً.

الحكومة التي وجدت نفسها في عين العاصفة، حاولت التعلل بارتفاع أسعار القمح عالميا، وتضخم فاتورة دعم الرغيف الذي يباع في الأفران البلدية بأقل من ربع تكلفته الأصلية، أو تسرب الدقيق المدعوم إلى سوق سوداء رائجة تحول أجولة الدقيق إلى علف للماشية على اعتبار أن طن الدقيق المدعوم لا يتجاوز سعره 500 جنيه مصري مقابل 2500 جنيه لطن العلف، وغيرها من المبررات التي رافقت الأزمة المستمرة.

نعم هناك ارتفاع عالمي في أسعار القمح وما حذرت منه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» التي تحدثت مراراً عن انخفاض الإنتاج العالمي من الحبوب نتيجة الجفاف والتصحر في العديد من مناطق العالم، لكن الحلول هي إبداع خالص لكل شعب يعاني جانبا من المشكلة، وهنا تتفاوت إدارة الأزمة من بلد إلى آخر.

وفي مصر على سبيل المثال لم تأت الأزمة نتيجة ظروف طبيعية كانت السبب في نقص إنتاج الحبوب ومن بينها القمح كما ذهبت الفاو على المستوى العالمي، ولكنه سوء التخطيط، فمنذ مطلع الثمانينات اعتمدت الحكومات المصرية المتعاقبة سياسة استيراد القمح من الخارج بدلا من السعي إلى الاكتفاء الذاتي منه أو تقليل الاعتماد على الغير في توفيره، بل جرى استبدال مزارع القمح المحصول الاستراتيجي، بزراعة محاصيل ليست من ضمن المكون الأساسي لغذاء المصريين.

وقتها كانت الحجة أن سعر القمح عالمياً اقل من تكلفة إنتاجه في الداخل، وهي حجة أثبتت الأيام سوء عواقبها، باعتبار أن من لا يملك غذاءه لا يملك قراره، ولذلك عندما اشتعلت الأسعار العالمية، اسقط في يد القائمين على تدبير لقمة عيش المصريين، وظهر التخبط والعشوائية في التعامل مع الأزمة، وشاهدنا مدى الارتباك وعدم القدرة على إيجاد مخرج سريع للطوابير المتراصة أمام الأفران ومنافذ بيع الخبز.

الآن وبعد كل ما جرى عادت أصوات للمطالبة بالتوسع من جديد في زراعة القمح، رغم أن بعض هذه الأصوات هي نفسها التي كانت في فترات الثمانينات من اشد المدافعين عن استبدال القمح بالفراولة والكانتالوب، وغيرها من الفواكه التي باتت ملقاة على الأرصفة ولا تجد في بعض الأحيان من يشتريها.

طبعا العودة إلى القرار الصائب بالتوسع بزراعة المحاصيل الزراعية، ورفع أسعار توريدها من الفلاحين لمخازن الحكومة، وان جاء متأخراً جداً إلا انه أفضل من الإصرار ـ كما كان في الفترات الماضية ـ على المضي قدما في سياسات زراعية كان وزير الزراعة الأسبق يوسف والي من اشد المتحمسين إليها.

ومع ذلك فإن القضاء على أزمة تدبير الغذاء للمصريين ووقايتهم من شر العوز، لا تقف عند حدود التوسع في زراعة القمح أو منع تصدير الأرز، ان المشكلة معقدة وتحتاج إلى سياسات جادة تضع الشعب المصري في أعلى سلم أولويات أي حكومة، وألا يتم الاعتماد على حلول لحظية تتعامل مع موقف مؤقت وليس أزمة مجتمعية تزداد تشابكا كلما تقاعست الحكومات عن وضع حلول جذرية تتكامل فروعها بما يصب في النهاية في انفراجة يشعر بها الفقراء الذين فاض بهم الكيل فخرجوا إلى شوارع المحلة التي دقت جرس إنذار وعلى الجميع ألا يصم آذانه عن صوته العالي.