يعيش أعضاء هيئة التدريس والموظفون بجامعة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام حالة من الإحباط مردها الأساسي تراجع مستوى التقدير المادي الذي يُقدم لهم مقارنة بالموظفين الآخرين على المستويين الاتحادي والمحلي. فزيادة الـ 70 بالمئة التي أُقرت من قبل الحكومة الاتحادية لموظفي الوزارات والدوائر والهيئات الاتحادية قد تجاوزتهم تماماً كما تجاوزتهم زيادة الـ 25 بالمئة التي أعطيت في السابق.
أساتذة الجامعة، الذين كانوا في يوم من الأيام مُقدرين تقديراً معنوياً ومادياً لا يفوقهم فيه سوى أصحاب المناصب القيادية الاتحادية والمحلية العليا في دولة الإمارات، نجدهم اليوم مُحبطين من تراجع وضعهم المادي أمام ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية وتزايد أجور كل من حولهم من موظفين اتحاديين والكثير من الموظفين المحليين.
اليوم يكفيك معرفة أن ملازماً في الشرطة أو الجيش يُقدر بأكثر ما يُقدر به أستاذ الجامعة الذي كرس فترة طويلة من حياته في الدراسة من أجل أن يحصل على أعلى الشهادات العلمية كي يعمل في بلده ليُخرج كفاءات تقود هذا البلد؛ ولعل الأكثر من ذلك فإن شهادة الدكتوراه التي يحملها الأستاذ الجامعي لا تساوي اليوم شهادة البكالوريوس لطالب تخرج على يده وأصبح يُقدر مادياً بضعف ما يُقدر به أستاذ الجامعة! حالة غريبة حقاً يمر بها وضع الأستاذ الجامعي في دولة الإمارات.
حالة الأستاذ الجامعي في جامعة الإمارات بحاجة إلى وقفة مراجعة من الحكومة الاتحادية. فالأستاذ الجامعي الذي يعتبر أداة فاعلة في سبيل خدمة هذا المجتمع تقع على كاهله مسؤوليات تدريس اثنتي عشرة ساعة أسبوعياً بما فيها من مسؤوليات التحضير ووضع الامتحانات ومراجعتها ومراجعة البحوث والتقارير والواجبات والالتزام بالساعات المكتبية>
ومسؤولية خدمة الجامعة من خلال المشاركة في لجان على مستوى القسم والكلية والجامعة، ومسؤولية خدمة المجتمع من خلال تقديم محاضرات وندوات واستشارات والمشاركة في وسائل الإعلام المختلفة، ومسؤولية البحث العلمي من خلال إجراء البحوث العلمية ونشرها في مجلات علمية عالية المستوى عربيا وأجنبياً والمشاركة بالمؤتمرات الدولية بأوراق عمل علمية محكمة.
كل تلك الأمور المتعلقة بالتدريس وخدمة الجامعة والمجتمع والبحث العلمي هي أمور مطلوبة من كل أستاذ جامعي بأن يفي بها في كل فصل تدريسي. لذلك لا غرابة إذا ما وجدتم الأستاذ الجامعي يشيب شعر رأسه قبل أوانه، أو لا يهتم كثيراً بمظهره، أو قليل الاحتكاك حتى بعائلته فظروف العمل تجعل من الأستاذ الجامعي آلة فكرية تعمل على مدار الساعة.
ومع كل ذلك لا يُقدر الأستاذ الجامعي ويتم تجاوزه في زيادات الرواتب التي تقدمها الدولة لموظفيها وكأنه ليس من موظفي الدولة رغم أن الجهات والهيئات المستقلة الأخرى الشبيهة بوضع جامعة الإمارات قد تم ضمها إلى الزيادة الحكومية إلا جامعة الإمارات التي أراد لها الشيخ زايد رحمه الله أن تكون نبراساً فكرياً وأداة لتخريج كفاءات من هذا البلد تقوده نحو المستقبل ولم يبخل عليها بشيء.
أساتذة الجامعة وموظفوها مدركون كل الإدراك للأهمية التي توليها القيادة العليا في البلاد والمتمثلة في رئيس الدولة ونائبه للتعليم العالي ولجامعة الإمارات بالذات، ومدركون أيضاً أن اهتمام مثل تلك القيادات بالتعليم العالي هو الكفيل برد الاعتبار للأستاذ الجامعي وموظفي الجامعة ليكونوا على قدم المساواة مع أخوانهم من الهيئات الاتحادية الأخرى في الدولة والتي شملتهم زيادة السبعين في المئة.
ولعلنا نذكر أنه إلى اليوم لا ينسى أساتذة وموظفو جامعة الإمارات وقع الزيارة الكريمة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى الجامعة والتي كان لها بالغ الأثر في رد الاعتبار لمكانة الأساتذة والعاملين بالجامعة عندما أمر بضم زيادة الـ 25 بالمئة إلى رواتبهم الأساسية. اليوم أساتذة الجامعة وموظفوها كلهم أمل في أن تجد دعواتهم لمعاملتهم بالمثل مع الهيئات والدوائر الأخرى فيما يتعلق بزيادة الـ 70 بالمئة أن تجد صدى لدى قيادتهم الحكيمة التي لا تتوانى عن خدمة أهل العلم والمتعلمين.
نعم أساتذة الجامعة اليوم محبطون لكن إحباطهم ذلك لم ينسهم ولو نطفة مسؤوليتهم التي ما زالوا ملتزمين بها بشكل كامل ومطلق في العمل على النهوض بالدولة من خلال التفاني والإخلاص في العمل المستمر وتحقيق الرسالة الجامعية السامية التي تهدف إلى إعداد الأجيال الواعدة وتخريج الطاقات الواعية التي سيعتمد عليها الوطن في البناء والرقي والتطور. فشعارهم هو أن هذا بلدهم وهذه جامعتهم ولا يمكن أن يتراجعوا قيد أنمله عن خدمتهما معاً. صحيح أن أساتذة الجامعة محبطون ولكنهم يدركون كل الإدراك بأن ما أنجزوه طوال حياتهم العلمية كفيل بأن يجعل رؤوسهم عالية.
قبل حوالي العامين أجريت دراسة في الولايات المتحدة لمعرفة أكثر الوظائف في الولايات المتحدة احتراماً وهيبة في المجتمع الأميركي من خلال استطلاع أراء الشارع الأميركي، ولم يكن غريباً أبداً أن تحتل وظيفة الأستاذ الجامعي المكانة الأولى بين جميع الوظائف التي شملتها الدراسة؛ فالأستاذ الجامعي محترم أينما حل ويكفيه ذلك شرفاً كي يكون الأستاذ الجامعي مرفوع الرأس دائماً، فلترفع رأسك يا رفيق مهنتي، يكفيك شرف أنك نبراس للعلم والمعرفة.
قسم السياسة - جامعة الإمارات