لا أحد في المجتمع الدولي مهتم بأمر غير أمر العراق. ولكن ليس من اجل العراق والعراقيين وللأسف الشديد. وإنما من اجل إيجاد المخرج المناسب للمأزق الأميركي هناك بعد أن تحول العراق إلى ناخب أساسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وبما أن المجتمع الدولي غالبا ما يختصر بالدول الكبرى أو العظمى والباقي ليسوا سوى أحجار على رقعة الشطرنج حسب مفهوم هذه الدول. ولما كانت المعادلة الدولية اليوم مختصرة في ما يسمى بالدولة الأعظم يصبح من الطبيعي أن يختصر العالم كله بالهم الأميركي في العراق والأمن المطلوب لقواتها هناك وليس للعراق وشعبه المستباح!

حتى الحديث عن المناورات الإسرائيلية الذي اخذ حجما أكثر مما يستحق في الإعلام الدولي والإقليمي، وكذلك الوضع المتدهور في غزة واحتمالات الحرب على لبنان أو سوريا أو صنع محرقة جديدة في غزة من قبل القوات الإسرائيلية المحتلة، إنما يتم تناوله في إطار الإستراتيجية الأميركية العامة للعالم وللمنطقة في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها الدولة الأعظم التي تمسك بتلابيب المعادلة الدولية من جهة في الوقت الذي يمسك الوضع المتأزم بالعراق بتلابيبها هي بامتياز!

فرغم كثرة الحديث عن لبنان واستحقاقاته الرئاسية وغير الرئاسية في دوائر المجتمع الدولي والإقليمي مثلا ورغم كثافة تحرك اللبنانيين الآنفة الذكر بحثا عن تسوية لأزمتهم المستعصية ظنا منهم أنها هي المحور لاهتمامات العالم القريب والبعيد وأنها هي المعضلة التي تخطف النوم والهدوء والاستقرار من رؤساء العالم وزعمائه لاسيما زعيمة المجتمع الدولي المخطوف.

إلا أن العالم منشغل بهم آخر تماما اسمه «العراق» وكيفية التعاطي مع هذا الملف بما يؤمن نقل السلطة من الرئيس الأميركي الراهن الغارق في المستنقع العراقي إلى الرئيس المقبل ديمقراطيا كان أم جمهوريا ـ لا فرق ـ لإدارة الهزائم المتلاحقة والأخطار المحدقة بمستقبل أميركا بشكل مشفق!

حتى القضية الفلسطينية والتي يسميها «العالم الحر» بأزمة الشرق الأوسط. والذي لطالما تغنى بها هذا العالم «المتمدن» وعقد المئات من المؤتمرات وشكل العشرات من اللجان والهيئات وبدد الكثير من ثروات المنطقة باسم البحث عن «تسويات» لها لم تعد اليوم أولوية بالنسبة لهم بقدر ما هي لعبة تمويهية لذر الرماد في العيون ونوع من «الحركة الخالية من البركة» في الوقت الضائع المتبقي للرئيس الأميركي المنتهية ولايته بعد نحو 300 يوم من الآن!

لقد خسرت أميركا الحرب في العراق باعتراف غالبية ما تبقى من عقلاء أميركا، وقد خسرت بطانة الاحتلال الأميركي في العراق الرهان على الحصان الأميركي بامتياز أيضاً وهم الآن يبحثون عن مخرج «مشرف» لهذا الخسران المبين كما أوصت لجنة بيكر -هاملتون.

في حين بدأت أصوات تعلو وتتحدث صراحة عن انه «لا يجوز الاستمرار في الفشل في العراق» كما صرحت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وهذا في الوقت الذي أعلنت فيه رئيسة المجلس بيلوسي «بان الحكومة العراقية الراهنة لا تستأهل تضحيات الأميركيين»،وهذا الأمر لم يعد سرا على احد بل انه بات قناعة شبه شاملة والشغل الشاغل حتى لأكثر الناس تفاؤلا بانجازات ما سمي على لسانهم يوما بمهمة «تحرير» العراق!

إن أي مراقب «كيس فطن» ومن خلال متابعة دقيقة لما يجري على الأرض العراقية يستطيع أن يستنبط بسهولة بان الموصل والبصرة والعاصمة بغداد بما فيها المنطقة الخضراء، ورغم مرور خمس سنوات على الاحتلال لا تزال مدنا عصية على الاحتلال وعلى بطانته المستقوية به، هذا فضلا عن عشرات المدن والقرى والدساكر التي وان بدت في الظاهر أو في النهار مثلا تحت سيطرة ظاهرة لما يسمى بالحكومة المركزية فإنها تحكم في الباطن .

وفي الليل دائما من قبل قوى أخرى غير تلك المنطوية تحت راية الاحتلال، يكفي أن نقرأ آخر تقرير أميركي عن العراق لنسمع عبارة «أن الأمن لا يزال هشا» في هذا البلد تتكرر في أكثر من فقرة، يكفي أن ينفجر أي خلاف بين الحكومة المركزية وبين أي جماعة عراقية في أي مكان ما في العراق حتى نرى كيف أن الانفلات الأمني هو الحاكم في عموم البلاد، وتجربة البصرة الأخيرة خير دليل على ذلك، ويكفي أن نسمع عن وجود نحو 28 ميليشيا، هذا غير قوى المقاومة السرية، ناهيك عن الاختراقات الجدية لقوى الجيش والشرطة من قبل الميليشيات أو المقاومة!

هذا غيض من فيض مما يعاني منه الأميركيون الذين يعتبرون أنفسهم قد خسروا الحرب في العراق ولم يبق أمامهم إلا الخروج المشفق و«المشرف» منه كما أسلفنا، بما لا يعطي انطباع الهزيمة للدولة الأقوى في العالم وبما لا يعطي انطباع الانتصار للقوى المقاومة والممانعة والتي يصنفونها طبعا ضمن قوى «الشر أو الإرهاب» لا فرق!

نستنتج مما سبق بان الأميركيين غارقين في هم إيجاد المخرج المناسب لهم من العراق أولا وقبل كل شئ! وهذا يعني أن مركز ثقل الصراع بين المشروع الأميركي والمشروع المضاد والممانع له إنما انتقل عمليا نحو العراق وما حول العراق وتحديدا ما يسمى بالنفوذ الإيراني أو الدور الإيراني رغم كل الكلام والضجة الكبرى التي يتم الحديث فيها عن الملف اللبناني مرة أو القضية الفلسطينية أو ما يحلو لهم بتسميته بملف النزاع الشرق أوسطي!

الأميركيون في لبنان لا يملكون من أمرهم وأمر حلفائهم إلا تجميد موازين القوى الراهنة إلى حين انقشاع الرؤية في العراق، ولا يملكون من أمرهم في فلسطين إلا اللعب في الوقت الضائع إلى حين انتهاء ولاية بوش وتحميل الإدارة الجديدة الملف الدائم والمزمن! نعم حزب الله اللبناني قد يستطيع في لحظة ما أن يقلب موازين القوى على غير ما هي عليه الآن ولديه القدرة على فعل الكثير، إلا أن ذلك لا يحصل دون اخذ الحقيقة الأنفة الذكر بعين الاعتبار!

إسرائيل من جهتها تستطيع هي الأخرى أن تجازف، ولديها الرغبة الجامحة بمثل تلك المجازفة، لكنها ستورط أميركا هذه المرة بمقامرة لا قبل لها بها وهي تعرف ذلك تماما، ولذلك حرصت على إيصال أكثر من رسالة ملحة إلى من يعنيهم الأمر بأن مناوراتها ليست مقدمة لحرب ضد احد بمن فيهم سوريا أو حزب الله اللبناني وان أبقت الباب مواربا تجاه إيران في إشارة واضحة إلى المحيط العراقي وهو ما لم تعد تخفيه إسرائيل بقولها إن مركز الخطر الاستراتيجي بات في إيران.

وهنا ثمة من يعتبر أن تجربة البصرة الأخيرة كانت إحدى المغامرات الأميركية الأخرى الخاسرة في إطار الاصطفاف العسكري الذي تحاوله أميركا بين الفينة والأخرى ضد إيران، لكن هذه المغامرة قد تتحول إذا ما تكررت في مدينة الصدر كما يقول البعض إلى مقامرة قد تودي بحكومة المالكي والعملية السياسية كلها والانتقال بالعراق إلى مفصل حقيقي يصار من خلاله إلى خلط الأوراق على الساحات الإقليمية كلها.

كاتب إيراني