أشارت مصادر عسكرية إسرائيلية بعيدة عن تقارير أجهزة الأمن الإسرائيلية ذاتها، بأنها لا ترى «مؤشرات حرب واضحة» في الجبهة السورية، فقد نفذ السوريون حسب رأيها مؤخراً تجنيداً جزئياً للاحتياط، لا يثير أي اهتمام استثنائي، وأضافت أن خطة التدريبات السنوية للجيش السوري.
فما هي حقيقة الأمر مما يجري؟ وما مدى صحة الاتهامات والمعلومات التي تسربها الجهات الأمنية الإسرائيلية بشأن الاستعدادات السورية واستعدادات حزب الله، في ظل قيام الجيش الإسرائيلي بمناوراته العسكرية النوعية، وما الذي يؤدي إذن إلى التوتر الراهن؟.
إن التحليل الهادئ غير العجول لتسلسل الأحداث وتراكبها يتوافق بدرجة عالية مع التقديرات التي أشار إليها البعض من السياسيين الإسرائيليين، الذين وصفوا التطورات إياها كمحاولة من جانب كبار المسؤولين في إسرائيل لتهيئة الرأي العام للحرب أولاً، واستثمار ما يجري في سياق الهرتقات والصراعات الحزبية داخل ائتلاف حكومة حزبي كاديما والعمل من جانب.
وفي مواجهة زعيم الليكود بنيامين نتنياهو الرابض في مواجهة كل من أيهود أولمرت وباراك ثانياً، فالاعتبارات السياسية الحزبية تأتي وحزب العمل غارقاً في أزماته الداخلية العسيرة، والتصريحات القتالية، تثبت مكانة أيهود أولمرت كـ «الكبير المسؤول» الذي يكرس كل اهتمامه للأمن في مواجهة نتنياهو وحتى شريكه الائتلافي ايهود باراك.
فالمشكلة الأساسية هي أن هذا التناقض في الحالة الإسرائيلية تجاه رؤية التطورات على جبهة الصراع مع سوريا يتنقل مابين المنظور القتالي والمنظور السياسي، وفي حالات كثيرة يمتنع أصحاب المنظور القتالي عن ملاحظة واشتقاق الرؤية السياسية كما هو حاصل الآن في تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتقديرات بعض السياسيين الذين يستثمرون بفعالية هذه التشوشات في سياق الصراعات والهرتقات السياسية الداخلية الإسرائيلية.
خصوصاً بعد أن أظهرت نتائج الاستطلاعات الأخيرة في إسرائيل تفوق بنيامين نتنياهو وحزب الليكود على غريميه أولمرت وباراك وحزبيهما. وبعد أن أظهرت الاستطلاعات ذاتها اتساع مدى النتائج المتوقعة لاحتمالات توزيع المقاعد في الانتخابات القادمة، في إشاراتها إلى رجحان كفة الليكود على حزبي كاديما والعمل في آن واحد.
في هذا السياق، فان عدداً من المحللين الاستراتيجيين الإسرائيليين، يرى بضرورة وقف المهاترات الداخلية واستغلال لعبة الحرب والتلويح بها في الاستخدامات الإسرائيلية الداخلية، ويدعو في الوقت ذاته للعودة «للخيار السوري»، وهي ليست المرة الأولى التي يحدث فيها انتقال لمواقف بعض صناع الدبلوماسية الإسرائيلية من المركز الفلسطيني في مسار التسوية إلى طرح مسألة العودة للمسار السوري أو ما يعرف إسرائيليا بـ «الخيار السوري».
فالأسباب التي يفترضها المحللون السياسيون لانبعاث الحديث عن ضرورة عودة الحياة مجدداً للخيار السوري إسرائيلياً، تعود من وجهة نظرهم إلى حقيقة الوهن الذي طرأ على المسار الفلسطيني بعد اصطدام التسوية بجدار سميك من التباينات ومن التعقيدات، حتى بعد مؤتمر أنابوليس، وأن إسرائيل بإمكانها أن تضبط مفاعيل الحل مع الفلسطينيين على هذا النحو أو ذاك أو أن تلتفّ على استحقاقاتها وأن تؤجّلها إلى أجل غير مسمى.
فبعض الإسرائيليين يعتقدون بأن الثمن الذي ستحتاج إسرائيل لدفعه للفلسطينيين، سيدفع إسرائيل إلى شقاق سياسي/عقائدي داخلي عميق، أما مع سوريا، فان الأمر يتطلب اتفاق سلام فقط، مع إخلاء هضبة الجولان فالمعنى العقائدي للتنازل عن الجولان لا يشبه التنازل للفلسطينيين.
وأن هناك قبولاً إسرائيلياً يتأتى بشكل ما كل يوم لدفع ثمن اتفاق مع سورية قوامه إعادة الجولان المحتل، وأن هناك استعداداً في الرأي العام الإسرائيلي للقبول به، ويشار هنا إلى حقيقة أن المستوطنين المستعمرين الإسرائيليين في الجولان السوري، في قطاع واسع منهم، لم يأتوا من أيديولوجيا استيطانية بقدر ما ذهبوا إلى حيث هم في مستعمرات بعيدة عن نقية الهواء ومرفّهة بعيدة عن التلوث والضجيج.
كاتب فلسطيني ـ دمشق