إذا كان الغرب يستغل ـ كما هو ثابت فعلاً ـ مسألة «حقوق الإنسان» بصورة انتقائية لإدانة دول معينة وتبرئة دول أخرى، انطلاقاً من دوافع سياسية ذاتية مسبقة، فما الذي يمنع الغرب من تسييس المحاكمات «الدولية»؟

حتى قبل تشكيل المحكمة الدولية المكلفة بالنظر في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.. وحتى قبل تسمية المتهمين، استبقت الإدارة الأميركية الزمر بإصدار تلميحات تكاد تكون تصريحات لدمغ النظام السوري بالإدانة سلفاً، مما يطرح تساؤلاً: هل ستلتزم المحكمة بنصوص قانونية أم بأجندة سياسية؟ وهل هناك سيناريو جاهز لمسار المحكمة من تأليف واشنطن؟

كان مشهداً غريباً في مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي عندما تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن المحكمة الدولية المرتقبة، كانت تعقب على اقتراح تقدم به أحد أعضاء المجلس يدعو فيه إدارة بوش إلى بدء مفاوضات مع الحكومة السورية تتضمن عرض صفقة أميركية على دمشق مفادها أن تستخدم واشنطن نفوذها «لتخفيف العقوبات» على النظام السوري في المحكمة الدولية مقابل تنازلات سياسية من الجانب السوري.

ومن الواضح أن العضو يبني حديثه على أساس فرضية مسلم بها منذ الآن بأن المحكمة الدولية سوف تنتهي إلى إدانة سوريا حتماً، ورغم أن السيدة رايس أعلنت أن الإدارة الأميركية حريصة على عدم تسييس المحاكمة إلا أنها لم تنف هذه الفرضية.

ومضى عضو مجلس الشيوخ ليقول ما هو أعجب مما يدخل في سياق التسييس بشأن محكمة يفترض أن تكون ذات حياد دولي. فقد قال السيناتور أرلين سبكتر إنه علم من زعيم عربي أن أمر المحكمة الدولية «مصدر قلق رئيسي للرئيس السوري بشار الأسد»، وأمنت السيدة رايس بدورها على هذا القول قائلة: «أعرف أنهم (أي الرئيس بشار وأركان نظامه) يفكرون في ذلك».

على صعيد آخر تقدم دانيال بيلمار رئيس لجنة التحقيق الدولية في حادثة اغتيال الحريري بتقرير إلى مجلس الأمن الدولي أشار فيه إلى أن العملية نفذتها «شبكة» لبنانية لها ارتباطات بعناصر خارجية، لكن التقرير لا يخلو من غرابة تستوجب الاستفهام، فمن خلال التقرير يقول هذا المحقق الدولي إن بعض عناصر الشبكة «لا يزالون ناشطين».

لا يزالون ناشطين وهم سفكة دماء؟! إذن لماذا لم يسارع هذا المحقق إلى إصدار أمر عاجل باعتقالهم واحتجازهم تحت حراسة مشددة حتى لا تمتد أيديهم إلى أشخاص آخرين؟ على أن الأغرب من هذا وذاك هو «اختفاء» شاهد رئيسي الأسبوع الماضي يعتقد أن من شأن شهادته في المحكمة الدولية أن تثبت براءة الحكومة السورية، وإعلان هذا «الاختفاء» ورد على لسان وزير الخارجية الفرنسي، فقد قال إن الشاهد زهير الصديق خرج من منزله في باريس حيث كان يقيم هناك على مدى السنوات الثلاث الأخيرة ولم يعد مما يثير عدة تساؤلات دفعة واحدة:

لماذا انتظر المسؤول الفرنسي شهراً كاملاً ليعلن عن الاختفاء؟

لماذا لم تسلم السلطات الفرنسية هذا الشخص إلى السلطات اللبنانية وقد صدرت مذكرة من لجنة التحقيق الدولية لاعتقاله؟

كيف استطاع الشاهد الخروج من المنزل بينما هو تحت الإقامة الجبرية.. أي حراسة فرنسية دائمة حول منزله.

لكن هذه كلها على أهميتها أسئلة ثانوية، فالسؤال الأكبر هو: هل قامت السلطات الفرنسية بتصفية زهير الصديق جسدياً للحيلولة دون مثوله عندما تبدأ المحكمة الدولية عملها؟

الأمر كله مبعث ريبة، ومن عناصر الريبة المحتملة أن اغتيال الحريري ربما كان على أيدي جهاز الموساد الإسرائيلي وفق تدبير ذكي لدمغ سوريا بالجريمة.