اليوم، 13 أبريل،تاريخ يستحضر ذكرى مشئومة لدى اللبنانيين. ذكرى «بوسطة (باص) عين الرمّانة». وقوع تلك الحافلة، ذلك اليوم من عام 1975، في كمين ـ مجزرة؛ كان بداية وقوع البلد في حرب أهلية، دامت خمس عشرة سنة؛ طلع منها لبنان أشبه بأكوام من الركام. بقايا خرابها ودمارها وأكلافها، على كل صعيد ومستوى،لا تزال ماثلة وجاثمة على صدور أهله، حتى اللحظة.

ممارسات بهلوانية ومراهنات انتحارية وسياسات ركوب رؤوس حامية، تضافرت كلها في مزيج؛ أستبدّ بالساحة وقادها إلى جحيم الاقتتال العبثي، مع الذات. الحصيلة كانت، نزيفاً وجد لبنان نفسه فيه، كمن يلعق دمه بنفسه، تجربة مريرة وخطيئة باهظة الثمن، إذا كان لها من فائدة؛ فهي أن تبقى ذكرى للعبرة والاعتبار.

ذكرى تبقى حاضرة كرادع وصمام أمان، يمنع حتى مجرد مرور سيرة حرب أهلية، في أجواء لبنان. ناهيك بتكرارها. المؤسف والمقلق، أن الأزمة اللبنانية الراهنة ومتوالياتها المعروفة، التي أوصلت البلد إلى حافة الهاوية،استعادت هذه السيرة إلى التداول. هاجساً يطارد اللبنانيين. التخوف من اندلاع نزاع أهلي، مشروع. ولو أن الظروف الحالية، تختلف عن تلك التي كانت سائدة قبل ثلاث وثلاثين سنة.

بعد أيام يحلّ الموعد الثامن عشر، المحدد لانتخاب رئيس جديد للبنان. ليس في الأفق ما يشير إلى أن الجلسة، هذه المرة، ستكون بخلاف ما كانته سابقاتها. العقدة لا تزال في المنشار. لا حلحلة في الشروط والشروط المضادة. الأطراف المعنية لا تزال تتخندق في مواقعها المعروفة. المداولات الجارية، تتوزع بين «السلة» المتكاملة للحلّ؛ وبين المبادرة العربية؛ مروراً بقانون ـ جديد أو قديم ـ للانتخاب؛ وانتهاء بـ «الحوار»، المطروح مجدداً.

وبحكم اشتداد عملية التجاذب وحالة الانسداد المستحكمة، تتصاعد وتيرة التراشق، بين اللاعبين والأقطاب. الأمر الذي يساهم في رفع درجة حرارة الوضع السياسي المأزوم. صبّ في مجرى التسخين، ما تردد على لسان مسؤولين وأوساط أخرى،من تحذيرات وتكهنات حول احتمال عودة مسلسل الاغتيالات، إلى سابق دورته.

شبحه عاد إلى التحويم في الأجواء. وسواء كان ذلك من باب الحذر والحاجة إلى التحوّط، أو من باب التنبيه المسبق المستند إلى معلومات؛ فإن النتيجة واحدة؛ لجهة ارتفاع منسوب التوتر والمخاوف؛في وضع يقف أمام الحائط المسدود. خاصة وأن التحركات تقلّصت وباتت مقتصرة على اللاعبين المحليين وجولاتهم العربية.

التركيز ينصبّ الآن على فكرة العودة إلى الحوار الداخلي؛ والتي يدور حولها جدل واسع. الخلفية المعلومة وفجوة الارتياب الواسعة بين أطراف الأزمة، تجعل من المفهوم، بروز خلافات وصراعات؛حول أمور ـ كالحوار ـ كان من الطبيعي أن ينعقد بخصوصها إجماع واسع.

لكن من غير المفهوم ولا المقبول أن تسقط فكرة الحوار على مذبح الشكوك المتبادلة. ذلك أنه يمكن تحصينها بآليات وضوابط، من شأنها إزالة الاعتراضات وعلامات الاستفهام. المهم أن لا يسقط هذا الخيار؛ بقدر ما هو مهم أن يصار إلى إعداده بالصيغة التي تكفل أن يكون حواراً هادفاً.

ثلاثة عقود ونيف مرّت على اليوم الذي لا يريد أحد تكراره في لبنان. وإذا كان المطلوب أن يتحول ذلك التاريخ إلى مجرد حدث أسود في الماضي؛ فإن المطلوب أيضاً أن يبقى حياً في الذاكرة؛ علّ في التذكير منفعة.