لا حل لمشكلات مصر الحالية إلا بالاستمرار في برنامج الإصلاح الاقتصادي‏,‏ وكما يعرف الاقتصاديون فإن ثمار هذا الإصلاح الاقتصادي لا تظهر بين يوم وليلة بل تأخذ بعض الوقت‏,‏ وقد جاءت الأرقام الأخيرة لتؤكد بما لايدع مجالا للشك أن هذا البرنامج في طريقه للنجاح‏,‏ وهنا يستطيع المراقب التحدث عن‏3‏ أرقام مهمة جدا وهي أولا‏:‏ زيادة معدل النمو الاقتصادي الى‏7%..‏

وهذا رقم ليس هينا إذا ماوضعنا في الاعتبار أننا نتحدث عن مجتمع كالمجتمع المصري مليء بالتحديات‏,‏ وطبعا على رأس هذه التحديات الزيادة السكانية الهائلة ولانننسي أننا هنا نتحدث عن أمة يزيد عدد سكانها سنويا بمقدار مليون و‏200‏ ألف نسمة‏!‏

وثانيا‏:‏ ارتفاع حجم الصادرات‏(‏ غير البترولية‏)‏ خلال الربع الأول من عام‏2008‏ الى‏20.4‏ مليار جنيه‏..‏

وهذا أيضا رقم ليس هينا أبدا اذا ماوضعنا في الاعتبار أن صادراتنا كانت حتى وقت قريب تدور حول مئات الملايين من الجنيهات‏,‏ وليس مليارات الجنيهات‏,‏ وتعال أنا وأنت نلقي نظرة سريعة على مكونات هذه الصادرات‏,‏ كما أعلنتها أمس الأول هيئة الرقابة على الصادرات والواردات‏.‏

لقد قفزت صادرات الحاصلات الزراعية الى‏3.6‏ مليار جنيه بنسبة زيادة‏24%,‏ وقفزت صادرات السلع الهندسية والإلكترونية الى نحو‏2.3‏ مليار جنيه بنسبة نمو‏10%‏ وقفزت صادرات الأسمدة والمواد الكيماوية الى‏4.5‏ مليار جنيه بنسبة‏24%..‏ وليس خافيا على أحد أن زيادة الصادرات تعتبر مؤشرا على أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح‏.‏

وثالثا‏:‏ ارتفاع حجم الاحتياطي النقدي الى مافوق‏20‏ مليار دولار‏,‏ وهي المرة الاولى في تاريخ مصر التي يصل فيها الاحتياطي الى هذا المعدل‏,‏ وهو مايعكس ثقة المجتمع الدولي في مصر بدليل إقدامهم على الاستثمار عندها‏.‏

غير أن ذلك الإنجاز كله يواجهه سؤال كثيرا ما سأله المواطن العادي لنفسه‏:‏ لماذا لا أشعر أنا بهذا النجاح الاقتصادي؟‏..‏ ولماذا أشعر بالأزمة في حياتي اليومية‏,‏ في الخبز والمواصلات وارتفاع الأسعار والبطالة وغيرها من المشكلات؟‏.

‏ والحقيقة أن الاجابة على هذا السؤال ليست سهلة‏,‏ ولكن البداية ربما كانت مما جاء على لسان خوان ديوب المدير التنفيذي بالبنك الدولي‏,‏ حيث قال إن زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء هي من الأمور الطبيعية التي تحدث في بدايات تنفيذ برامج الاصلاح الاقتصادي في الدول‏,‏ وأوضح ديوب أن الفقراء في تلك الدول هم أول من يعاني‏..‏

لكنهم بعد ذلك سيشعرون بتغير أحوالهم عندما تمتد نتائج الإصلاح لتشمل كل فئات المجتمع وطبقاته‏,‏ ولم يكتف الرجل بهذا الكلام النظري‏,‏ بل أعطانا دليلا عمليا عندما قال إن الهند والصين هما أكبر دولتين في العالم تحققان نموا اقتصاديا كبيرا جدا‏,‏ ومع ذلك فإن‏70%‏ من إجمالي فقراء العالم كله موجودون في هاتين الدولتين‏!‏

هل معنى ذلك أن يستكين الفقراء ويجلسوا وهم يبكون بجوار الحائط انتظارا لحسنة الأغنياء وتعطفهم عليهم؟ طبعا لا‏..‏ إنما المطلوب من الحكومة أن تسارع إلي وضع سياسات عاجلة للتخفيف من حدة تأثير سياسات الإصلاح الاقتصادي علي هذه الطبقات الكادحة‏..

وهذا هو ما يعرف بـالمسئولية الاجتماعية للحكومة‏,‏ حيث إنها ليست مجرد محاسب أو جامع ضرائب والسلام‏..‏ بل هي في البدء والمنتهى المسئول عن كل أفراد المجتمع‏,‏ فقرائه قبل أغنيائه‏,‏ وقد ظهر جليا دور الحكومة عندنا عندما ازدادت حدة أزمة طوابير الخبز‏,‏ حيث احتشدت بكل أجهزتها ووزرائها ومحافظيها للتعجيل بحل الأزمة ووعدت الحكومة بقرب الحل على الرغم من الزيادات الضخمة في أسعار القمح والسلع الغذائية الاخرى في الأسواق العالمية‏.‏

إن خلاصة القول في هذا السؤال‏:‏ لماذا لا نشعر بنتائج الإصلاح الاقتصادي‏..‏ هي أن الإصلاح يستغرق وقتا‏,‏ خاصة اذا كان هذا الاصلاح يأتي بعد فترات طويلة من الركود والجمود وعدم التحرك في الوقت المناسب‏,‏ وعلى كل حال لقد بدأنا المشوار الطويل‏,‏ ولابد من الاستمرار فيه ولانتراجع‏..‏ وإلا فسيدفع الجميع ثمن التأخر‏..‏ الأغنياء قبل الفقراء‏!‏