تابعت بعض ما قيل وما كتب في وسائل الإعلام العراقية والعربية عما حدث لبغداد بعد غزو الغزاة الجدد في التاسع من إبريل عام 2003 لعاصمة العباسيين، وإحدى أهم منابع الحضارة الإنسانية، وإحدى أبرز العواصم العريقة الكبرى في المثلث الحضاري الزاهر الذي جمعها مع القاهرة ودمشق في التاريخ العربي الإسلامي، ولوحظ أن الرؤى التي تعكسها الآراء السياسية والإعلامية المسموعة والمقروءة حول ذلك الحدث الزلزالي لازالت تعكس آثار وبقايا الانقسام الذي حدث في العالم العربي في النظام الرسمي العربي بين المعارضين للغزو في العلن والمتواطئين معه في الخفاء، وما هو أكثر من الانقسام في الشارع العراقي بين القلة الحزبية المستفيدة من الغزو والغالبية الشعبية المضارة من الاحتلال.
أطراف النظام الرسمي العربي التي رأى غالبيته أن الغزو عمل استعماري غير مشروع تحت أية مزاعم ورغم أية تبريرات، بينما رأى بعضها أن الاحتلال ليس احتلالا بل وأن انسحاب المحتلين مصيبة. وأطراف الشارع العراقي التي توزعت على تيارات سياسية ومذهبية وعرقية، بعضها ظن أنه استفاد من سقوط النظام فكان مع، ومعظمها أضير من سقوط العراق تحت الاحتلال فكان ضد الغزو الأنجلو أميركي.
غير أن الآراء الموضوعية العراقية والعربية على اختلاف منابعها الفكرية في معظمها بدت متفقة على شيء أساسي واحد هو رفض منطق الغزو لتغيير أي نظام، ورفض استمرار الاحتلال تحت أى عنوان، بينما تباينت في كثير من الفروع، وتناقضت في قراءة بعض أجزاء الصورة أو تحليل أسباب وأبعاد ذلك الحدث الذي يمثل بغير شك علامة فارقة بين عصرين عصر ما قبل الاحتلال وعصر ما بعد الاحتلال.
ومع ذلك فإن اختلاف الآراء مع الالتزام الوطني ليس المشكلة أيا كانت الأجندة السياسية أو المذهبية، لكن الكارثة دائما هي في الآراء النابعة من الو لاءات لغير الله أو الوطن، لأن الآراء هي انعكاس للرؤى، وكل من الرؤى والآراء لا يمكن إلا أن تتأثر بالخلفيات الفكرية السياسية والمذهبية، وبالمصالح الذاتية المادية والمعنوية. .
غير أن الرؤى التي هي محصلة للنظر إلى الأحداث تظل محكومة بمدى وضوح الرؤية للحدث، بعينين مفتوحتين أو مغمضتين، بنظرة واسعة أو ضيقة، بعيدة المدى أو قصيرة المدى، تنظر إلى الأمام أو إلى ما ليس أبعد من مواقع الأقدام، بعينين اثنتين أو بعين واحدة، ومن هنا تتباين الآراء إزاء مشهد الحدث أو في قراءة الصورة.
وبينما بدا الهدف الاستعماري الصهيو أميركي بأهدافه الثلاثة، حماية الأمن الإسرائيلي، وتأمين السيطرة على النفط، والسعي للهيمنة الإمبراطورية على العالم واضحا أمام كل ذوي الولاءات العراقية والعربية والإسلامية أصحاب العقول الواعية والعيون المفتوحة من أنصار الاستقلال والوحدة والسيادة الوطنية، والمناهضين للحروب العدوانية والغزو والاحتلال والسيطرة الأجنبية على أي جزء من الأمة العربية والإسلامية.
و في حين نظر البعض لهذا اليوم من ثقب إبرة، أو برؤية انتقامية شخصية، أو من زاوية جزئية صغيرة فلم ير في المشهد الخطير كله سوى مشهد إسقاط تمثال صدام بدبابات الأميركان وليس سقوطا للنظام، أو سقوط النظام وليس سقوط بغداد عاصمة العراق، أو سقوط بغداد وليس سقوط العراق تحت الاحتلال الصهيو أميركي، فإن ما حدث بسقوط بغداد تحت الاحتلال في التاسع من إبريل بنظرة واسعة لم يكن مجرد إسقاط لتمثال صدام أو إسقاط للنظام البعثي، ولا ثورة شعبية يكون لها المشروعية حين يستشرى الظلم أو يستبد الحاكم والمتحكم، بل مثل في رأى الكثيرين.
ليس فقط عدوانا على العراق كله.. بل على الأمة كلها وكارثة كبرى لأي عراقي أيا كان عرقه ودينه، ولأي عربي أيا كان دينه أو سياسته، ولأي مسلم أيا كان عرقه أو مذهبه، ليس من أجل صدام أو النظام، ولكن من أجل العراق الوطن الحر لا المحتل العربي المستقل لا تحت النفوذ الأميركي والنفاذ الصهيوني حيث أصبحت بغداد دار السلام بلا حرية ولا أمن ولا سلام!