عندما ضخت الصناديق السيادية في آسيا والشرق الأوسط أكثر من 21 مليار دولار في مؤسستي سيتي غروب وميريل لينش في يناير الماضي، بدأت تلك الصناديق تحظى بمستوى جديد من التدقيق من جانب واشنطن. فقد أعرب عدد من المشرعين الأميركيين بشكل علني عن قلقهم حيال الأثر المحتمل لهذا النوع من الاستثمارات الأجنبية في ضوء الوضع السياسي الحساس للأصول الأميركية.
في عام 2005 بدأت قصة هذه الصناديق بمحاولة من جانب شركة الطاقة الصينية المملوكة للحكومة هناك لشراء شركة النفط الأميركية أونوكال. أما المحاولة الأحدث في هذا الشأن والتي تثير حاليا مخاوف سياسية في كابيتول هيل فتتعلق بمحاولة من جانب مستثمرين أجانب مدعومين من قبل حكوماتهم لشراء أسهم تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات في مؤسسات مالية أميركية.
إن الصناديق السياسية والأوعية الحكومية التي تحتوي على فوائض مالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط أو حدوث طفرة في التصدير لا تمثل ظاهرة جديدة. فمثل تلك الصناديق تتسبب في حالة من الجدل منذ أن أرغمت رئيس الوزراء البريطانية الأسبق مارغريت تاتشر هيئة الاستثمار الكويتية على بيع معظم الأسهم التي اشترتها في شركة بريتش بترو ليوم في عام 1987.
غير أن القلق السياسي الذي تسببت فيه تلك الصناديق زاد بشكل كبير في الأعوام الأخيرة في ضوء تنامي حجمها بشكل ملحوظ. فهناك الآن أكثر من 40 صندوقا سياديا تشير بعض التقديرات إلى أن استثماراتها تقدر ب 3 تريليونات دولار، أي ما يمثل نحو 12% من حجم الاستثمارات العالمية، وهو ما يعني أن حجمها تضاعف عما كانت عليه منذ خمس سنوات مضت. وهناك بعض التقديرات الموثوق منها تشير إلى أن أصول تلك الصناديق قد تنمو إلى ما يناهز 15 تريليونا بحلول العام 2015. وهناك 12 صندوقا سياديا جديدا تم إنشاؤها منذ 2005.
في الوقت الحالي يتبين أن الحاجة إلى تدعيم البنوك الأميركية في أعقاب أزمة الرهان العقاري التي عصفت بالأسواق الأميركية ـ هذه الحاجة قد قلصت من المعارضة الرسمية على موجة الشراء الأخيرة التي قامت بها هذه الصناديق. غير أن اجتماعا عقدته في السابع من فبراير الماضي اللجنة الأميركية ـ الصينية للمراجعة الأمنية والاقتصادية والتي هي منوط بها مناقشة ودراسة آثار العلاقات التجارية الصينية ـ الأميركية على الأمن القومي للبلدين ـ هذا الاجتماع قد تسبب في عودة حالة القلق ثانية من هذه الصناديق. فقد خرجت عناوين رئيسية في الصحف في ديسمبر الماضي تفيد أن صندوقا سياديا صينيا اشترى أسهم بقيمة 5 مليارات دولار في مؤسسة مورغان ستانلي المالية.
وأثناء الاجتماع حذر عضوا مجلس الشيوخ غيفان باي وجيم ويب من أن الصين والحكومات الأجنبية الأخرى يمكن أن تستغل الصناديق السيادية للحصول على أسهم وتمثيل كامل في الشركات الأميركية لتحقيق أهداف سياسية وليس أهدافا تجارية. وأكدا أنه يجب أن تكون هناك قيود أكبر على مثل هذا النوع من الاستثمارات.
شهود آخرون ألمحوا إلى أن استثمارات الصناديق السيادية في الشركات الأميركية يمكن أن تمنح الشركات والحكومات الأجنبية إمكانية التجسس على الإمكانات التقنية الأميركية وتمكنهم من الوصول إلى الوكالات الحكومية الأميركية والتسبب في حالة من عدم الاستقرار المالي في أميركا بهدف تحقيق مآرب إستراتيجية معينة.
واقع الأمير يشير إلى أن الصناديق السيادية بعيدة كل البعد عن الشفافية. وغالبا ما يكون هناك غموض حول شخصية الطرف الذي يدير هذه الصناديق. بعض استثمارات هذه الصناديق قد لا يكون الهدف منها تعظيم الأرباح، وإنما يكون الغرض منها خدمة المصالح السياسية للحكومات التي تمثلها هذه الصناديق.
غير أن هناك سبلا ووسائل أمام الولايات المتحدة وحكومات العالم الغنية الأخرى للتخفيف من مخاطر هذه الصناديق وفي الوقت نفسه مواصلة الاستفادة المالية من عملية الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية. الأمر المؤكد هو أن واشنطن يتعين عليها مواصلة العمل مع الحكومات الأجنبية لضمان أن الصناديق السيادية التي تديرها هذه الحكومات تتحرى الشفافية بقدر الإمكان.
هناك بالتأكيد فوائد لهذه الصناديق متعلقة بالاقتصاد الكلي. فهي توفر سيولة للأسواق وتساعد على علاج حالات عدم التوازن الاقتصادي في العالم. فبقدر ما يخشى المسؤولون الأميركيون من حدوث حالة طلاق عالمية من الدولار، الأمر الذي قد يؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاقتصادي الأميركي، فإن الصناديق السيادية يمكن أن تساعد الاقتصاد في حالة حدوث هذا الطلاق وتشجع الحكومات الأجنبية على الاستثمار في النمو الاقتصادي الأميركي، فكلما زاد استثمار الصين وروسيا ودول الخليج في الشركات الأوروبية والأميركية، زادت مصلحة تلك الأطراف في المحافظة على الاستقرار الدولي. بعبارة أخرى يجب أن نقلص من مخاوفنا حيال شراء الصينيين أو العرب لمصارف أميركية.
فضلا عن ذلك، فإن المخاوف المتعلقة بالصناديق السيادية مبالغ فيها بشكل كبير. فالقلق بشأن انتقال التكنولوجيا الأميركية الحساسة إلى أطراف شرير ـ هذا القلق موجود منذ فترة وليس مقتصرا على الصناديق السيادية.
هناك قدر كبير من الحماية التشريعية التي يمكن أن تتناول هذه القضايا، أهمها أن يكون هناك إصلاح للجنة الاستثمارات الخارجية في الولايات المتحدة واللجنة التنفيذية المتعددة الفروع المختصة بمراجعة والموافقة على الاستثمارات الأجنبية المقترحة في الأصول الأميركية لضمان أنها لا تقوض الأمن القومي الأميركي.
في يوليو الماضي، مرر الكونغرس قانون الاستثمار الخارجي والأمن القومي لعام 2007 الذي بمقتضاها تم توسيع عدد الصناعات التي يمكن إطلاق عليها اسم «البنية التحتية الحساسة» ورفع مستوى المساءلة السياسية عن طريق مطالبة أعضاء اللجان بالتوقف عن العمل بالقرارات التي تتيح عدم فحص صفقات معينة. وقد أخبرني المسؤولون العسكريون الذين تحدثت إليهم أن مصدر القلق الرئيسي يتمثل في الصادرات الروسية للصين من الأسلحة المتطورة، وليس في هشاشة التقنيات الأميركية وسهولة التجسس عليها.
ثمة شكوى أخرى في هذا الصدد تتمثل في السؤال التالي: لماذا يجري السماح لشركات حكومية صينية بشراء أسهم في مصارف أميركية في الوقت الذي لا تزال فيه الشركات الصينية بعيدة عن الدخول في أي مجال استثماري مع أميركا أو أي مستثمر آخر؟ الإجابة هي أن المصارف الأميركية في الوقت الحالي بحاجة إلى الأموال والحكومة الأميركية غير مستعدة لمساعدتها.
أثناء اجتماع اللجنة الصينية ـ الأميركية للمراجعة الأمنية والسياسية، أكد مسؤول الخزانة الأميركية روبرت دون حاجة الحكومة الأميركية إلى أن تضع أفضل أطر العمل الممكنة لضمان استقبال الاستثمارات الأجنبية بالشكل الأمثل. ومن هذا المنطلق فإن الصناديق التي ستتجاوب مع هذه القواعد هي وحدها التي ستعمل داخل الولايات المتحدة. ومن شأن هذه القواعد أن تساعد هذا الصناديق على تقديم استثمارات أكثر فعالية لتنمية اقتصاديات العالم.
خدمة لوس أنجلوس تايمز ــ خاص لـ «البيان»