الغذاء بات أزمة عالمية.. هذه هي النتيجة، الحقيقة التي باتت تتراءى من كل أصقاع الدنيا. وإذا كان الذين يملكون المال يشكون ويضجون، فإن الفقراء الذين لا يملكون المال هم الضحايا الأبديون، قديماً ومعاصراً، لهذا التهديد، الجديد القديم، الذي كان محل نقاش مسؤولي الأمم المتحدة الذين شاركوا في فعاليات معرض ومؤتمر دبي الدولي للإغاثة والتطوير (ديهاد) الذي فض أعماله أمس.
فوكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الإنسانية الطارئة جون هولمز قال بكل صراحة ووضوح إن ارتفاع أسعار الغذاء بدأ في التأثير على الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وفي بعض الأحيان أدى إلى القلاقل، بينما أدت تغيرات المناخ إلى زيادة في عدد وشدة الكوارث الطبيعية.. إذن، الأمر يتعلق بالأمن القومي، وهذا ما ظهرت إرهاصاته خلال الأيام الماضية في مصر الشقيقة.
وإذا كان هولمز قال إن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في مناطق مثل الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق والصومال وكينيا وإقليم دارفور السوداني، بسبب التعثر المتوقع في إتمام العمليات الإنسانية في هذه المناطق بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وتغير المناخ، بحاجة إلى استجابة عالمية منسقة وشاملة.. فإن ما يجري من ارتفاع كبير في أسعار الغذاء وشح مصادر الماء العذب باتا يقرعان جرس الإنذار على أكثر من صعيد وأكثر من مكان، وبات الأمر بحاجة لمؤتمر دولي يتصدى لتشخيص المشكلة ويجد لها الحلول. فخطر نقص الغذاء لا يقل خطراً عن مشاكل الاحتباس الحراري.
بل هو إفراز لها وثمرة من ثمارها، ولا هو أقل خطراً من مشاكل الألغام الأرضية، أو القرصنة الالكترونية، أو الاتجار بالبشر التي عقدت من أجلها عشرات المؤتمرات بلا جدوى. فارتفاع فاتورة ما يسد جوع البطون قد يكون، مهما ارتفع في حال اتفقت دول العالم على تشكيل صندوق لدعم الإنتاج الزراعي وتحفيزه، أخف وطأة من الفاتورة التي قد يتسبب بها انفجار أجواء الاحتقان.
ويعزو الخبراء ارتفاع أسعار الحبوب كالأرز والقمح وفول الصويا في الشهرين الماضيين إلى نقص المخزون، فضلاً عن فرض الهند لقيود مشددة على صادراتها من الأرز لسد احتياجاتها المحلية، في الوقت الذي انخفضت به كميات إنتاج الحبوب في الصين بسبب الجفاف، ومع إضراب الأسواق الغذائية الذي تصادف مع موجة التضخم العالمي وارتفاع أسعار النفط وانخفاض الدولار سارعت عدد من الحكومات وبشكل منفرد إلى اتخاذ قراراتها الخاصة من دون التنسيق مع المجموعات الدولية الأخرى.
وفي الدول النامية كانت الأزمة أشد وطأة بوقوع أحداث «شغب الجياع» في كل من الكاميرون وساحل العاج والسنغال وبوركينا فاسو وأثيوبيا واندونيسيا ومدغشقر والفلبين وهاييتي... كما تم نشر قوات للجيش في باكستان وتايلاند لتفادي الاستحواذ على الأغذية من الحقول ومخازن السلع.
ولعلاج هذه المخاطر لا بد من الدعوة لعقد مؤتمر دولي يناقش سبل المواجهة والتي لا خيار لها إلا في دعم الزراعة والمزارعين وتوفير سبل خلق محصول جديد، وبخاصة من الحبوب، فأسلوب التبرعات والهبات التي عادة ما تكون ردة فعل عاطفية على مجاعة هنا أو كارثة هناك لا يحل المشكلة بل «يرحّلها»®. فالمطلوب كما قال المثل الصيني في غابر السنين: «لا تعطني سمكة بل علمني الصيد».
ونستشرف من هذا المقام التجربة الرائدة في الدولة بوضع خطط لتخزين السلع الاستراتيجية، وهي التجربة التي تستحق التعميم، كما نستذكر حملة «دبي العطاء» والتي أعطت أنموذجا حيا للدعم والتنمية المستدامة من الدول الغنية والمقتدرة إلى الدول النامية والفقيرة، والتي لا تقتصر على تقديم العون المادي والهبات الوقتية، بل تؤسس لنظام تكافلي عالمي.
