من التعبيرات الطريفة في وصف الحروب المتتالية التي خاضها صدام حسين أنها كانت «حرب تلد أخرى»، وقد عرف التاريخ الإنساني في مراحله المختلفة وفي أماكن عديدة من العالم صراعات من هذا النوع، ومنطقتنا العربية مثال حي لهذا النوع من الحروب، فمنذ حرب 1948 والمنطقة لا يمر عليها عقد من الزمان دون حرب (1956 ـ 1967 ـ 1973 ـ 1982....).
وفي التاريخ الغربي أيضاً حالات مماثلة، فقد شهد في العصرين الوسيط والحديث عددا من الصراعات العسكرية المتوالية التي ولدت إحداها من رحم سابقتها، فعرف هذا التاريخ تعبيرات مثل «حرب الثلاثين عاما» وصولا إلى «حرب المئة عام».
وهناك من المؤرخين من يرى أن الحرب العالمية الثانية ليست إلا «ابنا شرعيا» للحرب العالمية الأولى ومن رحمها ولدت، وهناك من يمد الخط على استقامته حتى الصراع الدامي المتعدد الحلقات في البلقان إذ يراه البعض الحلقة الأخيرة من سلسلة بدأت بالحرب العالمية الأولى، ولم تنته حتى الآن، فإذا كان التاريخ قد شهد الكثير من الحروب التي تلد حروبا، فهل يمكن أن تُشن حرب لتجهض أخرى؟ طبعا نعم!
واحتمال ضرب إيران احتل مكانا متقدما فجأة بعد تكرار التأكيد والنفي، وهذه المرة استنادا إلى معلومات مصدرها بكين وموسكو اللتين تربطهما علاقات جيدة بطهران (الأهرام القاهرية 4/ 4/ 2008). وحسب المعلومات المنشورة فإن عدة عواصم بعضها تربطها علاقات جيدة بإيران قدمت ـ للمرة الأولى ـ معلومات عن الجانب العسكري من المشروع النووي الإيراني لهيئة الطاقة الذرية.
وقد استمعت أنا شخصيا إلى معلومات مهمة في ندوة بمركز الوليد بن طلال للدراسات الأميركية بالجامعة الأميركية بالقاهرة قبل أسابيع، كان المتحدث فيها الدكتور جون ديوك أنتوني رئيس المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية وأكد وجود فريق في الإدارة الأميركية يرى أولوية ضرب إيران حتى قبل غزو العراق.
وعندما تصاعد التوتر مع سوريا قبل قليل وبدا أن هناك احتمالا لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا كان هؤلاء يؤكدون أولوية توجيه الضربة لإيران.
ومنذ العام 2006 والمعلومات تتوالى مشيرة إلى أن هذا الفريق يضغط بشدة لانطلاق عمل عسكري يرونه حتميا، وتسربت خلال هذه الفترة معلومات عن خطط بعينها كان أهمها خطة «اللسعة» التي كشفت عنها مصادر روسية آنذاك.
وقد نشرت مجلة «نيويوركر» الأميركية وقتها أن الإدارة الأميركية تخطط لعملية قصف واسعة ضد أهداف في إيران تستخدم فيها قنابل نووية مخترقة للتحصينات لتدمير ما يشتبه أنه «مرافق نووية»، بل إن مسؤولا بارزا سابقا بالبنتاغون صرح للمجلة أن بعض الضباط تحدثوا عن احتمال تقديم استقالاتهم بعد فشل محاولاتهم استبعاد الخيار النووي من خطط الحرب التي يجري وضعها!!.
كما كشف المحلل العسكري الأميركي وليام آركين أن واشنطن كانت تخطط لعملية عسكرية واسعة ضد إيران، تعتمد على هجوم بالصواريخ واجتياح بري وانتشار بحري للسيطرة على مضيق هرمز، وذلك قبل غزو العراق (الحياة اللندنية 17 ـ 4 ـ 2006).
وتعد التسريبات التي نسبت للمخابرات الروسية هي الأهم في هذا السياق إذ أشارت إلى خطة تسمى «اللسعة» تتضمن توجيه ضربة خاطفة لمئات المواقع الإيرانية بشكل يضمن إعادة بنية المشروع النووي الإيراني إلى نقطة الصفر تقريبا ما يعني تأخير المشروع من 5 ـ 7 سنوات.
وفي محاضرة له بالجامعة الأميركية بالقاهرة في العام الماضي أكد الكاتب الأميركي ذائع الصيت سيمور هيرش أن جورج دبليو بوش لن ينهي ولايته الثانية قبل أن يوجه ضربة عسكرية «استباقية» لإيران (المصري اليوم القاهرية 7 /2 /2007). والخطة الجديدة لا تختلف كثيرا عن سابقتها وتحمل اسم «مات الملك».
وكثيرون يعتبرون إعلان الأدميرال ويليام فالون، قائد القوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى استقالته من منصبه بشكل مفاجئ مؤخرا، بعد نحو عام قضاها في المنصب، مؤشرا قويا على اقتراب الضربة فالاستقالة حسب مصادر عديدة جاءت بسبب الخلاف مع الرئيس الأميركي بشأن إيران. وهو سعى إلى تهدئة التوتر مع إيران الأمر الذي أدى إلى «توترات» بين القيادة الوسطى للجيش الأميركي والبيت الأبيض.
والمعلومات الكثيرة التي تحفل بها التقارير الإعلامية والتحليلات تبدو متعارضة، لكن بشيء من التأني والتحليل تكتشف أنها يكمل بعضها بعضا، وحركة القطع العسكرية الأميركية أمام السواحل اللبنانية وفي الخليج تجعل الضربة مرجحة جدا وربما قريبة جدا. ورغم أن البعض يضع هذه الضربة في إطار التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق، وهي بهذا المعنى حرب ولدت من رحم حرب أخرى، وهو أمر قد يكون صحيحا جزئيا.
لكن الإطار الذي يبدو أقرب للمنطق أنها ـ لو حدثت ـ ستكون حربا لإجهاض حرب أخرى، فحدود إسرائيل مع سوريا ولبنان توشك أن تشتعل في أية لحظة والظرف السياسي في المنطقة عموما يسوده الاحتقان الشديد وينذر بالانفجار.
لكن الولايات المتحدة الأميركية سيكون أهون عليها ألف مرة أن تخوض مواجهة عسكرية لا تكون إسرائيل طرفا فيها من أن تشهد المنطقة هذه المواجهة العسكرية التي ستجعل كل ما فعلته منذ تدخلت عسكريا في أفغانستان في مهب الريح. فقد جربت في حرب تحرير الكويت أن إلزام إسرائيل بأقصى درجات «ضبط النفس» يمنح الولايات المتحدة الأميركية فرصة التحرك العسكري في مواجهة الحد الأدنى من مشاعر الرفض والغضب عربيا، كما أنه يريحها من عبء رعب أن تنفجر المنطقة انفجارا تصعب السيطرة عليه.
ولأن الملفين اللبناني والسوري بتعقيداتهما المعروفة ـ وبعد اغتيال عماد مغنية وما شهدته القمة العربية من انقسام عربي واضح ـ مرشحان لأن يدفعا بقوة عجلة مواجهة عسكرية يرى فيها هذا الطرف أو ذاك «هروبا إلى الأمام»، فإن ضربة عسكرية أميركية لإيران يمكن أن تجهض هذه الحرب المحتملة التي تمثل كابوسا لأميركا، بمعنى أن مثل هذه الحرب لن تكون ـ على الأرجح ـ مأمونة العواقب، وبالتالي فإن ضرب إيران يكون «حربا تجهض أخرى».
كاتب مصري