تمر في هذه الأيام ذكرى مرور أربعين عاماً على رحيل مارتن لوثر كينج، الرجل العظيم الذي بدأ الثورة السلمية للزنوج في الولايات المتحدة لانتزاع حقوق المواطنة من البيض، وإنهاء التمييز العنصري البغيض، وضرب أروع مثل لكل الشعوب المقهورة في كيفية السير بسلام على درب النضال المدني وبلوغ الهدف من أقرب طريق، وفتح نافذة للسود، راحت تتسع بمرور الأيام حتى أصبح واحدا منهم وهو أوباما قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح الرئيس المقبل لأميركا.
لقد عاني كينج في طفولته من نبذ البيض له، واستمرت معاناته حتى شب على الطوق وصار شاباً ملء البصر. وفي مدينة مونتجمري بدأ دعوته إلى المقاومة اللاعنيفة، متلمسا تعاليم الإنجيل، التي كان يحفظها عن ظهر قلب من أبيه راعي الكنيسة، ولذا كان دوما يكرر على أسماع تابعيه: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى الذين يحقدون عليكم وصلوا من أجل الذين ينالونكم بالأذى ويضطهدونكم».
ورفض كينج دعوة الاستسلام التي أطلقها بووكرت واشنجتون للزنوج بأن يستكينوا ويدعوا الزمن يصلح ما فسد، وكذلك دعوة د. دي بوا للعشر الموهوب من السود بأن ينهضوا إلى العمل بكل همة، ويشدوا وراءهم بني جلدتهم، ورأى أنها مجرد تخطيط يفتح الطريق لصفوة أرستقراطية كي تفوز بنصيب الأسد، بينما يتعثر خلفهم التسعون في المئة من غير الموهوبين. كما لم ترق لكينج دعوة ماركوس جارفي للزنوج بأن ينتصروا على شعورهم بالنقص، ويحزموا حقائبهم عائدين إلى افريقيا، موطنهم الأصلي، برؤوس مرفوعة واعتداد بجنسهم.
ولم يكتف كينج بفكرة التمثيل الرمزي للزنوج في الوظائف العامة الكبرى والمواقع والمناصب الأمامية في الجهاز البيروقراطي، كدليل أو إشارة إلى التقدم نحو حصولهم على حقوق المواطنة، ورأى كينج أن هذا الأسلوب ينحرف بالزنوج عن غايتهم الرئيسة.
وهنا يقول: «يمكن إرضاء الملونين بأن يعين من بينهم قاض هنا، ومدير أعمال هناك، وآخر في مركز يؤهله لمنصب وزير، وطالب يلحق بإحدى الجامعات ـ ولو احتاج الأمر لأن يحرسه رجال الجيش ـ وإلحاق ثلاثة أطفال من السود بالمدارس الثانوية في مدينة كبرى ...إلخ كل تلك النماذج كانت تقدم تضليلا للزنوج باعتبارها رمزا على مساواتهم بالبيض وللتستر على التمييز العنصري القائم فعلا .. إن النضال المرير الذي ظل قائما لعشرات من السنين، عندما بلغ الذروة لم يسفر إلا عن قدر محدود من النجاح، ولم يتقدم إلا وشيكا».
وتمسك كينج بمبدأ التحرير الكامل للسود، مستفيدا من التصريح الذي أدلى به الرئيس كيندي في 11 يونيو 1963، قبل اغتياله ببضعة شهور، من أن الولايات المتحدة «تواجه مشكلة أخلاقية، قديمة قدم الكتاب المقدس، وواضحة وضوح الدستور الأميركي، ألا وهي الاعتراف بأنه من حق كافة الأميركيين أن يتمتعوا بنفس الفرص وبنفس الحقوق.. والذين لا يعترفون بهذا الحق لا يرجى لهم إلا المتاعب والعار، أما الذين يعملون بشجاعة، فإنما يعترفون بحقيقة واضحة لا مناص منها».
وبنى كينج على بعض الإيجابيات التي حققتها حركة «الاتحاد الوطني لتقدم الملونين»، التي احتلت صدارة المشهد النضالي للزنوج قرابة ثلاثين عاما. فهذه الحركة تعتمد على تطبيق نصوص الدستور والقانون الفيدرالي، بما يخول المحاكم الفيدرالية من أن تكون أداة لمكافحة الاضطهاد العنصري، ومنع استغلال القانون في هضم حقوق الزنوج. لكن كينج أراد ما هو فوق ذلك، فرغم أن تلك الحركة قد حققت انتصارا بإقرار حق الزنوج في مباشرة التصويت لانتخاب رئيس الجمهورية، فإن فشل الدولة في تطبيق هذا القرار، جعل السود مؤمنين بأن سن التشريعات ليس أداة كافية لتحريرهم.
وما سهل على كينج مهمته أن طريق السود إلى النضال السلمي كان يمر بالكنيسة، التي آمنت بأن تطبيق الدين يعني ترسيخ العدل. وقد أوقف رجال الدين اندفاع الزنوج إلى العنف، ونادوا بإعلاء مبدأ العمل السلمي، والمطالبة بتغيير الأوضاع بدلا من الأخذ بالثأر. وقاد موقف آخر إلى تبلور رؤية كينج ووضوح ملامحها، فقد تبدد رهان السود على إمكانية الاتحاد مع ملايين البيض في الجنوب الأميركي، ممن يعيشون أوضاعا إنسانية بائسة، وباتوا مؤمنين تماما بأن عليهم أن يكافحوا بمفردهم.
وانطلق كينج من أن «الشعب المضطهد لا يمكن أن يبقى مضطهدا إلى الأبد، والتعطش للحرية لا يلبث أن يثبت وجوده»، واختار النضال السلمي لرفع هذا الاضطهاد، قائلا: «أمامنا الطريقة الفضلى، وأعني بها طريقة المحبة والاحتجاج السلمي .. ولولا قيام هذه الفلسفة ـ أي فلسفة العمل السلبي المباشر، لكان كثير من الشوارع في أرض الجنوب غارقة في الدماء». فـ «الجندي النظامي عليه أن يفحص بندقيته، وأن يحرص على نظافتها، بينما على الجندي المسالم أن يحرص على طهارة قلبه ونقاء ضميره، وأن يكون شجاعا، مؤمنا بالعدالة».
وأمعن كينج النظر في الأمور التي تجري حوله، فوجد أن الذين نادوا بحمل السلاح في وجه الرجل الأبيض لم ينجحوا في حل مشاكلهم، لأنهم اكتفوا بالتهليل، واستسلموا لضجيج الحماس الأجوف، من دون أن تكون لديهم رغبة فعلية في أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، أو يخوضوا غمار معركة خاسرة، ومن دون أن يقوموا بما عليهم من واجب صوب الاتصال بالكتل الجماهيرية بطريق مباشرة، ليدفعوها إلى العمل، بحيث تلفت انتباه غالبية الشعب.
وهنا يقول كينج: «علينا أن نلاحظ أن المحافظين الذين ينصحون بالتريث، والمتطرفين الذين يطلبون منا أن نهاجم العالم بالسوط، يقفان على طرفي نقيض، ولو أن بينهما نقطة تشابه عجيبة، فكلاهما فاشل، لأنهما لم يصلا إلى قلوب الجماهير المتعطشة للحرية».
وبذلك حقنت دعوة كينج أنهارا من الدماء كان يمكن أن تسيل في شوارع المدن الأمريكية، واقترب من تحقيق أهدافه النبيلة بأقل قدر ممكن من الخسائر في الأرواح، فسياسة عدم الاعتداء أثارت الارتباك بين السلطات التي هاجمتها، وشلت كيانها، وبدلا من أن تقوم تلك السلطات بقمع حركة التمرد بوحشيتها المعتادة، أصبحت سلبية القوة إلا في الظروف التي يتاح لها العمل فيها في الخفاء بعيدا عن الرقابة..
وبدت السلطات أشبه ما تكون بالسجين الهارب الذي وقع تحت شعاع النور الكاشف.ومن ثم فقد استعملت الشرطة الرصاص على أضيق الحدود خلال حركة الاحتجاج التي نظمها الزنوج عام 1963، وأمسكت عن الإفراط في ضربهم بالهروات والعصي، لأن أنظار العالم كانت متجهة إلى حيث تدور المواجهات أيامها، ورأي الجميع كيف خاض الزنوج المدربين على تطبيق مبدأ عدم الاعتداء المواجهة وهم مؤمنون بأن العمل السلمي قادر على هزيمة خصمهم المدجج بالسلاح، ولأن مئات الآلاف من الزنوج تجرأوا لأول مرة في التاريخ على أن يضعوا عيونهم في عيون الرجل الأبيض من دون أن يطرف لهم جفن.
لكن كيف سارت دعوة كينج إلى أن حققت الكثير من أهدافها؟.. هذا ما سيجيب عليه المقال القادم.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة