قبل شهر أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان عن إنشاء الهيئة الوطنية للبحث العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إطار تنفيذ الخطة الاستراتيجية للوزارة.

فالمنطق يقول أن لا مجال للتنمية المستدامة بدون بحث علمي ولا مجال لمجتمع المعرفة ولاقتصاد المعرفة بدون الاعتماد على البحث العلمي. فدولة الإمارات العربية المتحدة تتمتع بأحد أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم كما أنها تتمتع برشادة اقتصادية عالية وبمنهج تنموي فعال جدا.

وهذا ما يتطلب منطقيا تكثيف الاعتماد على البحث العلمي والحرص على نقل واستيعاب التقنيات الحديثة باستمرار والأخذ بالسبل المنهجية للتعرف على نتائج البحوث العلمية في مختلف الميادين والمجالات والاستفادة القصوى منها واستغلالها في اتخاذ القرارات الرشيدة والسليمة.

فكرة إنشاء الهيئة تعتبر مبادرة جاءت في وقتها لتردم فجوة كبيرة بين الازدهار الاقتصادي في البلد من جهة وغياب أو ضعف أداء البحث العلمي من جهة أخرى.

فالمسيرة المحدودة في مجال البحث العلمي في دولة الإمارات سواء من حيث الموارد أو من حيث الميزانيات يجب أن يُنظر لها بجدية ويجب أن توفر كل السبل والوسائل والإمكانيات حتى تُردم الهوة بين صناعة القرار والبحث العلمي وحتى تُبنى التنمية المستدامة على أسس سليمة وصلبة.

تأسيس الهيئة الوطنية للبحث العلمي ينطلق من رؤية سليمة وواضحة وثاقبة تؤكد ضرورة الارتقاء بجهود البحث العلمي وأنشطته في الدولة إلى المستويات العالمية وإلى الجودة الدولية. ستلبي الهيئة مطلبا حيويا لجهة إنتاج وتطوير المعرفة المواكبة للتطور الحاصل في مسيرة عملية التنمية الشاملة التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة.

الهيئة ستحدد الحاجات والأولويات وستعمل على توفير المعلومات والبيانات والإحصائيات لصاحب القرار حتى يقوم بوضع خططه واستراتيجياته بناء على أسس سليمة ودراسات دقيقة.

فالقرار في هذه الحالة لا يُبنى على التخمين أو التقديرات العشوائية وإنما يُبنى ضمن أطر علمية ومنهجية دقيقة النتائج والبيانات. فالأمم نجحت وتطورت وتفوقت بمراكز البحث العلمي وبالجامعات التي أبدعت في الابتكارات والاختراعات وكذلك بالمختبرات العلمية التي قهرت أنواع الأمراض المختلفة والأوبئة وغيرها من المشكلات التي يتعرض لها البشر في جميع أنحاء المعمورة.

فمن المهام الاستراتيجية للهيئة وضع خطة سنوية للبحوث العلمية وأنشطة التطوير بالدولة والإشراف على تنفيذها والعمل على توفير الموارد المالية اللازمة ونشر نتائج البحوث والدراسات وتعميم الفائدة منها على مختلف وكافة المستويات والجهات في الدولة.

كما تسعى الهيئة للتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث والمختبرات العلمية ومؤسسات التعليم العالي المختلفة من أجل خلق بيئة الابتكار والاختراع والإبداع والتميز.

كما تهدف الهيئة إلى تطوير وتشجيع الكوادر المتخصصة والمؤهلة والقادرة على إجراء البحوث العلمية والقيام بأنشطة التطوير ووضع وتنفيذ النظم والأطر التي تكفل استقطاب الباحثين المرموقين والمتميزين للمشاركة والمساهمة في مسيرة البحث العلمي بالدولة. كما تعمل الهيئة على نشر ثقافة البحث العلمي في المجتمع من أجل ترشيد القرار سواء على مستوى الفرد أو العائلة أو المؤسسة.

فالمجتمع الذي يتوفر على بيانات ومعلومات علمية ودقيقة عن مشكلات وتحديات مختلف قطاعاته وهياكله ومرافقه المختلفة هو المجتمع الأكثر قابلية للنجاح والتحكم والاستغلال الأمثل لموارده المادية والبشرية.

فالاقتصاد الذي يعتمد على المعرفة بحاجة ماسة إلى البحث العلمي لأن المعرفة تفرزها الجامعات الراقية والمختبرات المتطورة.

ثقافة البحث العلمي تعني اهتمام مختلف قطاعات المجتمع بالمعرفة وبالمعلومة وبالأداء المبني على البحث المنظم والمنسق وليس على العشوائية والتخمين. فإذا كان الفرد لا يؤمن بالبحث العلمي والمؤسسة من جهتها لا تولي اهتماما للبحث العلمي كذلك، وصانع القرار لا يستعمل نتائج البحث العلمي في صناعة قراراته فهذا يعني أن المجتمع في خطر نظرا لتبعيته للآخر في مجال حساس وهو البحث العلمي، ونظرا لأنه لا يعرف تفاصيل كثيرة قد تكون مصيرية لوضع سياسات واستراتيجيات ومشاريع.

فالتنمية التي لا تبنى على أسس علمية ولا تقوم على بيانات دقيقة لا يكتب لها النجاح. وانطلاقا من هذا المبدأ تقوم الهيئة بربط جهود البحث العلمي باحتياجات المؤسسات في الدولة والتركيز على تطوير علاقات التعاون والشراكة مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص من أجل الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتوفرة ومن أجل جعل البحث العلمي في خدمة المجتمع.

من مهام الهيئة كذلك تنظيم وعقد مؤتمرات علمية ذات جودة عالية من أجل بناء قواعد معلومات وبيانات تساعد على تحقيق التكامل في أنشطة البحث العلمي والتنسيق بين الباحثين والمؤسسات البحثية محليا ودوليا من أجل تحقيق التميز والجودة ومن أجل الاستغلال الأمثل للنتائج التي تحققها الهيئة ويتوصل لها الباحثون.

الكلام عن البحث العلمي يعني ميزانيات معتبرة، بنية تحتية متطورة وباحثون من المستوى الجيد، هذه هي المكونات الأساسية لبحث علمي ناجح إضافة إلى إدارة متطورة ورشيدة للتنسيق بين هذه العناصر الثلاثة من أجل تحقيق نتائج جيدة في أرض الواقع.

وهذا يعني أن من واجب الدولة تخصيص ميزانية تكون في مستوى طموحات الباحثين وتلبي الاحتياجات الضرورية واللازمة لإنجاح البحوث. من جهة أخرى يجب على القطاع الخاص وخاصة في المجال الصناعي أن يخصص نسبة معينة من أرباحه لتمويل البحوث والدراسات العلمية التي تعود عليه بالفائدة بالدرجة الأولى.

كما تعود على المجتمع بصفة عامة. فميزانيات البحث العلمي في الجامعات المرموقة في العالم تقدر بمئات الملايين من الدولارات وفي البعض منها بما يزيد على المليار دولار، وهذا يعني من جهة أخرى ضرورة نشر ثقافة البحث العلمي والاقتناع الكامل من قبل الجميع أن لا تنمية مستدامة ولا تطور ولا قدرة على المنافسة والتميز بدون بحث علمي. فإذا غابت القناعة بجدوى البحث العلمي وإذا غابت وسائل نجاح البحث العلمي وثقافة البحث العلمي فهذا يعني أن العملية كلها مجرد كلام وخطاب للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

وهذا ما يقودنا من جهة أخرى إلى الكلام، إذا ما توفرت الشروط والمستلزمات والوسائل، عن تقييم الأداء وضمان الجودة وهذا يعني دراسة الفوائد العملية الحقيقية الملموسة للبحوث التي يتم تنفيذها وذلك من خلال قياس فوائد تلك البحوث في تطوير الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع.

كما يجب قياس مدى وعي الفرد ومؤسسات المجتمع بأهمية المعرفة والبحث العلمي في الرشادة الاقتصادية والاستغلال الأمثل للموارد المتوفرة. تقاس كذلك فاعلية البحث العلمي من خلال درجة التعاون والتنسيق بين مختلف المؤسسات داخل الدولة ونظيراتها في دول العالم وذلك من أجل الاستفادة من تجارب الآخرين وتعميم الفائدة.

القرار السياسي موجود والنية موجودة والإمكانيات متوفرة، مع توفر إمكانيات هائلة لتطويرها ومضاعفتها، فالكرة الآن في ملعب الباحثين ومؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي والمؤسسات العامة والخاصة لجعل البحث العلمي مسؤولية الجميع والطريق للرقي والازدهار والتقدم والتميز في إطار الاستقلالية والمحافظة على الأصالة وقيم المجتمع.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة