في عام 1966 أخرج الجنرال شارل ديغول بلاده فرنسا من البنى العسكرية للحلف الأطلسي، باسم السيادة والصوت الفرنسي المستقل وتحمّل مسؤولية الدفاع عن النفس. ومنذ ذلك الحين حرصت فرنسا على أن يكون لها صوتها المستقل فيما يخص القضايا الكبرى في العالم الذي نعيش فيه.

مثل ذلك المنهج أُطلقت عليه بالخط العريض تسمية الديغولية التي كانت آخر تبدياتها ذلك الخط الذي انتهجته فرنسا في معارضتها الصريحة لشن الحرب على العراق في ربيع عام 2003، بل وترؤسها ل»جبهة رفض» قيام تلك الحرب. وكانت ألمانيا وراءها في «الخندق» الأول. لكن الحرب قامت وما زالت نيرانها تحرق وتدمّر وتتسع كل يوم أكثر، فماذا بقي من هذا كله؟

الصورة تغيّرت كثيرا، هذا إذا لم تكن قد «انقلبت» منذ وصول الرئيس نيكولا ساركوزي إلى سدة الرئاسة في فرنسا منذ شهر مايو الماضي.رؤية الرئيس ساركوزي هي أن المعطيات تغيّرت، وقدرة أوروبا على التأثير في قضايا العالم لن تكون ذات وزن حقيقي دون لندن، وبالتالي دون واشنطن. وقبل هذا وذاك دون عودة فرنسا إلى البنى العسكرية إلى الحلف الأطلسي ؛ أي في النهاية إعطاء صفة «رسمية» لما أصبح واقعا على الأرض.

المطلوب إذن، من وجهة نظر باريس، هو التأكيد من جهة على أن أوروبا لا تزال قوة «ضاربة» وأن فرنسا تشكّل «طليعتها»؛ ومن جهة أخرى إعطاء المصداقية ل«التقارب» مع الحلف الأطلسي «على أرض المعركة». على هذا الأساس أعلن الرئيس الفرنسي قبل أيام قليلة من انعقاد قمة الأطلسي برومانيا، وجرى تأكيده خلالها، عن إرسال جنود فرنسيين إضافيين إلى أفغانستان، و«تعميد» التقارب مع النهج الأطلسي عبر دفع «ضريبة الدم» على أرض المعركة، فالجنود الفرنسيون الجدد سيكونون على «خط الجبهة» وليس في مهمة مساعدة كالعادة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه، كان قد وعد بعكس ذلك عندما كان مرشحا، وقد كان واضحا جدا عندما تفوّه بتاريخ 26 أبريل 2007، أي قبل أن يصبح رئيسا، بفكرة سحب 1100 جندي فرنسي من أفغانستان وقال: «كان من المفيد بالتأكيد إرسالهم حيث كانت هناك معركة ضد الإرهاب. لكن وجود القوات الفرنسية لفترة طويلة في تلك المنطقة من العالم لا يبدو لي أمرا حاسما».

وفي نفس سياق «التقرّب» من المواقع الأطلسية، وعبرها من المواقع الأميركية، أكّد الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة إلى بريطانيا على أهمية الركيزة «اللندنية» في المفهوم الدفاعي الجديد، ودعا فيها إلى إقامة «تحالف متميّز» بين الدولتين. بل لم يتردد في «البوح «بعواطفه قائلا: «أحب الانجليز، وقد اعتقدت دائما أن أوروبا بحاجة إلى المملكة المتحدة».

مثل هذا التعبير على لسان رئيس لجمهورية فرنسا يمكن أن يثير الكثير من الدهشة، هذا إذا لم يكن أكثر من ذلك، لاسيما إذا تمّت مقارنته بما كان يقوله، ويفكر به، ويردده الجنرال شارل ديغول مرارا وجهارا، مع اعترافه الصريح أيضاً بمساعدة الإنجليز لفرنسا للتحرر من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، حول ضرورة «أخذ مسافة» من البريطانيين والحرص على «إبقاء بريطانيا بعيدة» عن القارة، بل كان الجنرال قد أعلن عن رغبته بعدم انضمامها إلى المجموعة الأوروبية الاقتصادية.

كانت تلك العواطف الفرنسية «متبادلة» مع ونستون تشرشل، «الصديق اللدود» للجنرال، الذي لم يتردد في القول: «ما بين القارة -أوروبا ـ والفضاء الرحب -أميركا ـ سوف أختار دائما الفضاء الرحب». هذا القول لأشهر رئيس وزراء لبريطانيا في تاريخها الحديث ترجمه الرئيس الفرنسي أثناء زيارته قبل أيام أنه مجرد «اختلاف». وقال مخاطبا البريطانيين: «إن أوروبا بحاجة إلى اختلافكم».

المسألة ليست مجرد كلام و«تلاعب بالألفاظ» وإنما مسألة نهج وتوجه وجبهات قتال قائمة، وربما قادمة. وإذا كانت «بوابة قندهار» تندرج في فتح الطريق نحو «الأفق الأطلسي» للدفاع الأوروبي فإن «بوابة لندن» تندرج أيضاً في منظور قيام تحالف جديد «أطلسي التوجه والهوى» هو الآخر سيعمل الرئيس ساركوزي على تعزيزه عندما تتولى فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي ابتداء من مطلع يوليو .

ولكنه «تحالف جديد» أيضاً على صعيد «الخارطة السياسية الأوروبية» نفسها. ذاك أن «اقتراب» باريس من لندن يعني في الحسابات الدبلوماسية الأوروبية «ابتعادها» عن برلين. إنه يشكل خطوة أخرى في «الاتجاه المعاكس» لنهج المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي كان التباين في مواقفها واضحا مع الرئيس الفرنسي حول «الاتحاد من أجل المتوسط».

وكان الرئيس ساركوزي صريحا عندما قال: «اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أوروبا بحاجة للمملكة المتحدة والمملكة المتحدة بحاجة إلى أوروبا. بالطبع تشكل الصداقة الفرنسية ـ الألمانية بالنسبة لنا القاعدة التي تقوم عليها المصالحة الأوروبية (...). ولا يزال المحرّك الفرنسي ـ الألماني أساسيا ولا غنى عنه، ولكنه ليس كافيا كي تتمتع أوروبا بحرية حركتها كاملة وكي يكون لها ثقلها كله.

إن المملكة المتحدة وفرنسا سوف تعملان بنفس الاتجاه حيال جميع المواضيع التي ستكون في صميم اهتمام الرئاسة الفرنسية لأوروبا خلال النصف الثاني من هذه السنة».

وفي نفس الاتجاه أكّد الرئيس الفرنسي التزام بلاده في «الأخوّة الجديدة» في إطار مفهوم دفاعي يرمي إلى عودة فرنسا ل»الاندماج» في البنى العسكرية للحلف الأطلسي.

الرئيس بوش هو الذي لا يزال مترددا بينما يحاول ساركوزي «إقناعه» عبر التأكيد على التزام فرنسا «عسكريا» بأفغانستان على المدى الزمني الطويل المطلوب وتوقفها عن لعب دور «الولد الشقي» داخل الأسرة الأطلسية.

إن هذا التقارب مع الحلف الأطلسي يبدو بالنسبة لباريس «ممرا لا بد منه» من أجل بلورة دفاع أوروبي «مستقل» وإنما تحت «المظلّة الأطلسية».

1000 جندي فرنسي جديد سوف يتوجهون إذن إلى أفغانستان، بناء على قرار الرئيس نيكولا ساركوزي. الدستور الفرنسي يتيح له ذلك باعتباره قائد الجيوش والمرجعية الأعلى في ميدان السياسة الخارجية والدفاع. لكن هذا لم يمنع الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، في وضع مشابه، من أن يطرح على البرلمان في جلسة استثنائية مسألة مشاركة الجنود الفرنسيين في حرب الخليج عام 1991.

بعض النواب الفرنسيين، من اليمين واليسار، أعربوا عن تحفّظهم حيال إرسال قوات فرنسية جديدة إلى أفغانستان فهذا يعني، من وجهة نظرهم، تعريضهم ل»خطر الموت» فالوضع في أفغانستان لا يقل خطورة عن الوضع في العراق؛ هذا فضلا عمّا يمثل ذلك من انحياز كامل للسياسة الأميركية.

اليسار الفرنسي بشكل عام رافض لفكرة إرسال قوات جديدة إلى أفغانستان ويذهب الأكثر تطرفا منه إلى حد القول إن الرئيس ساركوزي «يزج فرنسا في حرب لا نهاية لها في الأفق المنظور ضد الشعب الأفغاني باسم النضال ضد طالبان».

لكن، وفيما هو أبعد من التحفظات والتخوفات، النهج الدفاعي الذي يتبنّاه الرئيس الفرنسي شديد الوضوح، وهو الانخراط أكثر في الحلف الأطلسي من أجل دفاع أوروبي أقوى.

المعادلة دقيقة، و«خصوصيات» فرنسا على المسرح الدولي واستقلالية رؤيتها والصوت المتفرّد الذي جنّبها الدخول في حرب العراق الأخيرة... وإلى حد كبير دبلوماسيتها المستقبلية..في الميزان. «الديغولية» تموت و«الساركوزية» تولد. نهاية عهد وبداية آخر. ولكل زمان دولة وسلطان.

كاتب سوري