ألا يعلم رئيس حكومة العراق نوري المالكي أن بلاده خاضعة لاحتلال أجنبي؟ وأن حكومته بالتالي لا تملك القدرة على تصريف الشؤون المتعلقة بمبدأ السيادة الوطنية؟ خلال الأسبوع جددت وزارة الخارجية الأميركية تعاقدها السنوي مع شركة أمنية أميركية خاصة تمارس عملها داخل الأراضي العراقية، علما بان هناك تحقيقا لا يزال جاريا بشأن مخالفة خطيرة اتهمت الشركة بارتكابها.

المالكي يشكو من ان واشنطن جددت العقد للشركة بصورة انفرادية في تجاهل تام للحكومة العراقية، فهل هي شكوى مشروعة؟

المخالفة المشار إليها تتعلق بمقتل 17 مدنيا عراقيا في سبتمبر الماضي على أيدي الحراس المسلحين التابعين للشركة الأمنية الأميركية دون مبرر، ولو وقعت مثل هذه الحادثة في أي دولة مستقلة غير خاضعة لقوة احتلالية أجنبية لكان الإجراء الطبيعي هو ان يتخذ القانون مجراه، بأن تأمر الحكومة بتحقيق مع الشركة.

وإذا أفضى التحقيق إلى إدانة فإن الحكومة تقوم في هذه الحالة بسحب ترخيص الشركة، ومحاكمة عناصرها المتورطين في الحادثة وطردها من البلاد، لكن حكومة المالكي وما سبقها من حكومات عراقية في ظل الحالة الاحتلالية وما سيعقبها من حكومات إذا امتد عمر الاحتلال لا تمسك بأدوات السيادة الوطنية.

الحكومة لم تستطع حتى مباشرة التحقيق مع الشركة فضلاً عن الخطوات التالية. فمنذ الوهلة الأولى أدركت أن للشركات الأمنية الأميركية العاملة في البلاد حصانة ضد القانون العراقي، وهي حصانة منحت بقرار أوتغراطي أصدره الحاكم الأميركي السابق للعراق المحتل بول بريمر، لذا لم يكن محل استغراب أن عملية التحقيق في حالة الشركة ـ واسمها «بلاك ووتر» ـ تولى أمرها «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الأميركي، ونستطيع أن نتخيل النتيجة النهائية لهذا التحقيق، فهو في أغلب الظن سوف ينتهي إلى تبرئة الشركة، إذا أخذنا في الاعتبار أنها طرف متعاقد مع الحكومة الأميركية، وإذا أخذنا في الاعتبار أيضاً الاستهتار بأرواح المدنيين العراقيين الأبرياء الذي تمارسه القوات الاحتلالية الأميركية نفسها.

في سياق احتجاجه الذي ورد خلال مقابلة تلفزيونية «وليس عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية» قال المالكي: إن حكومته تعتبر أن قضية بلاك ووتر «لا تزال قيد المراجعة» وأن الحكومة «تناقش» الآن مبادئ طريقة عمل الشركات الأمنية الأجنبية «خصوصاً أن هذه الشركة ارتكبت مجزرة بحق عراقيين».

وهنا يبرز تساؤل: هل بوسع الحكومة العراقية ـ أو برلمانها ـ سن قانون من شأنه إلغاء حالة الحصانة القانونية الممنوحة للشركة بقرار أميركي؟

المالكي أول من يدرك أن هذا من رابع المستحيلات، لأن العراق حالياً مستعمرة أميركية، هذه هي الحقيقة الأساسية التي ينبغي أن يقر بها ابتداءً المالكي وكافة القادة السياسيين العراقيين ليكون الهدف الإجماعي الوطني ليس التعامل مع جزئيات مثل وجود ونفوذ الشركات الأمنية الأجنبية، وإنما كيفية تحرير الأرض العراقية من قوة احتلالية سلبت العراقيين كافة مقومات السيادة.

الجنود الأميركيون يتحركون بحرية كاملة في أنحاء البلاد، يقتحمون منازل الأسر، أو يقصفونها من الجو في عمليات قتل جماعي تشمل النساء والأطفال، بينما تواصل شركات أميركية ممارسة السيطرة على صناعة النفط الوطنية العراقية، وتتصرف في عائدات مبيعاتها وكأنه لا وجود للحكومة.

إذا لم نسمّ هذا حالة استعمارية فماذا نسميه؟